فأما قوله :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] ، فلو حمل على أنّه خلق لكلّ أهل دين دينهم وما هم عليه وطريقتهم ، لما أخلّ ذلك بصحّة القرآن ولزوم التكليف ، وحصول البيان على ما قد بيّناه من قبل ، ولكن ليس هذا هو القصد ، وإنّما أراد بالشرعة ما شرعه لهم وتعبّدهم به ، وهذا الجعل بمعنى التعبّد ، وتقدير الأديان وتوظيف الفرائض والعبادات ، وليس من خلق الفعل / في شيء فبطل ما قدّروه .
وأما تعلّقهم بقوله :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
[ المائدة :
64 ] ، فإن حمل ذلك على أنّه خلق عداوة بعضهم لم يخرجهم ذلك عن التكليف إلى يوم القيامة ، وإمكان النظر والاستدلال وتأتيه وقيام الحجّة عليهم ، ولزومها لهم على ما بيّناه من قبل ، وإن حمل على أنّ معنى ذلك أنّنا ألقينا بين ضروب أهل الكفر التعادي على كفرهم ، وتبري بعضهم من بعض ، لم يكن ذلك عند أحد قبيحا ولا ظلما ، فكأنّه ألقى في قلوب اليهود عداوة النصارى على القول بالتثليث ، وذلك عداوة لباطل ، وألقى في قلوب النصارى عداوة اليهود والمجوس على شتم المسيح وتكذيبه والقول بالنّور والظلمة وذلك عداوة لباطل ، فكأنّه على هذا الفرق ألقى بين أهل الباطل الذين ذمّهم على التعادي على باطلهم ولم يلق في قلوب المبطلين عداوة للحقّ وأهله ، وإذا كان الكلام محتملا لذلك بطل ما توهّموه وزال التناقض الذي قدّروه .
فأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] ، فإن حملناه على أنّه خلقهم للنّار والضلال فذلك صحيح على ما قلناه .
ويمكن أيضا أن تجاب الملحدة أن يقال : إنّما عنى بقوله :
لِيَزْدادُوا إِثْماً
على عاقبة الفعل وأنّهم سيزدادون في الآخرة ، وكذلك قوله :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] أي : سيزيدهم عذابا بما كان من