وليس في شيء ممّا حكيناه / عنهم ونحكيه مستأنفا إلا ومعناه ثابت صحيح إذا حمل على بعض هذه الوجوه ، والقرآن لا يبطل ولا تستحيل معانيه ، ويناقض لظنّ الملحد لذلك وحمله على ما يصنعه لنفسه ويقدّره بجهله ، أو تجاهله وإلباسه ، وإنّما يصير وضعه وتوهّمه فاسدا متناقضا دون التنزيل وكلام ربّ العالمين .
فكيف يكون ذلك كذلك واللّه يقول :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] ، ويقول :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
[ فصلت : 42 ] ، ويقول :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[ القيامة : 17 ] ، ويقول :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] ، و
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 138 ] ، و
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] ، في نظائر هذه الأخبار الواردة في حفظ القرآن وحياطته وصونه عن مطاعن الملحدين والزائغين وحراسته ، وقد بان بما قدّمنا وما سنذكره من أجوبتهم صدق ما خبّر اللّه به من حفظ كتابه وحصول الاهتداء والبيان به .
فأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
[ الأنعام : 108 ] ، وقوله :
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ
[ النمل : 4 ] ، وقوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
[ آل عمران : 14 ] ، إلى نظائر هذه الآيات ، فقد قلنا من قبل في تأويل هذا التزيين ، وأنّه ليس من تزيين الكافرين والشياطين بسبيل ، وأنّه ليس هو الدعوة إلى ذلك والترغيب فيه ، وفي النّاس من يحمل ذلك على أنّه إنّما أراد بالتزيين خلق الشهوة وما جعل في الطباع من الميل والتوق إلى ذلك ، وليس معناه الترغيب فيه والدّعاء إليه ، فبطل توهّم من ظنّ أن معنى زيّنا أنّنا أمرنا بذلك ودعونا إليه ورغّبنا فيه .