تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
ليس بنقض لإخباره عن إضلالهم والطبع على قلوبهم والخلق والتقدير لأعمالهم ، لأنّ القوم لم يدّعوا أنّ اللّه خلق أفعالهم وقضى وقدّر أعمالهم ، فينفي اللّه سبحانه ذلك عن نفسه بقوله :
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
، وإنّما ادّعوا أن التوراة أنزلها اللّه محرّفة ومبدّلة على ما أوهموا سفلتهم وعامّتهم وأوغاد النّاس ، وإنّما ادّعوا ذلك بعد أن حرّفوا التوراة وغيّروها ، وغيّروا وصف الرسول وذكر البشارة به في التوراة فقال اللّه تعالى :
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ
يعني : التوراة واللّيّ الكذب ، ومنه قوله تعالى :
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
[ النساء : 46 ] ، ثم قال :
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ
( كما يدّعون )
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ آل عمران : 78 ] أي : لم ينزّل اللّه عليهم الكتاب بذلك ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنّه الملحدة والقدريّة من التعلّق بهذه الآية . فأمّا قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
[ التوبة : 3 ] وأنّه أيضا لا معارضة بينه وبين إخباره عن إضلالهم ، وتوليه لخلق أعمالهم ، لأنه تعالى إنّما قصد بذلك البراءة من العهود التي كانت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين ، ولم يعرّض لذكر شركهم ومعاصيهم ، فقال اللّه تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 )
( إلى قوله )
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 1 - 5 ] ، فكلّ هذا يدلّ على أنّ البراءة من اللّه ورسوله إنّما هي براءة من العهود وإنفاذ الرسول لسورة براءة ، والقصّة في ذلك مشهورة ، وأنّه قال : « لا يؤدّي عني إلا رجل منّي » يعني عليّا عليه السلام ، فحمل الآية على التبرّي / من شركهم ومعاصيهم جهل وغباوة أو عناد وإلباس على الضعفاء ، ولو كانت براءة اللّه فيهم براءة من خلق أفعالهم