تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
أحسن التشبيه ، ويمكن أن يكون أراد بقوله كأنّها جان ، كأنّها من الجنّ في هول منظرها ، وقبحها وبشاعتها والهلع والترويع برؤيتها . فأمّا قوله :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[ طه : 67 ] ، فإنّه أيضا غير مناف لإخبار اللّه عنه بتصديقه وسكون قلبه ، لأنّ تلك الخيفة طباعيّة بشريّة غير كسبية اختياريّة ، وليست من الشكّ في قوله :
خُذْها وَلا تَخَفْ
[ طه : 21 ] في / شيء ولا من جنسه ولكنّها خيفة بشرية ، ويمكن أن يكون أوجس خيفة في غير الوقت الذي قال له فيها لا تخف ، إمّا قبل أن يقول له ذلك إلى أن قال خذها ولا تخف ، أو بعد ذلك الوقت ، لأنّه لم يقل لا تخاف أبدا فلا تعلّق لهم في ذلك ، ويمكن أن يكون تأويل الآية أنّه خاف أن يفتتن قومه ويظنّون أنّ ما أتى به سحر كقول السحرة فقال له : لا تخف إنّك أنت الأعلى ، أي إنّ آيتك تنكشف عن صدقك وتزيل كلّ ريب من قلوب أتباعك المؤمنين فيكون كذلك أعلى بالحجة والبراهين . فأمّا قوله تعالى :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
[ الأعلى : 13 ] ، فإنّه غير متناقض ، لأنّه لم يرد أنّه يكون غير ميت ولا حيّ وإنّما عنى وهو أعلم أنّ حياته لا تنعدم فيستريح من العذاب وإدراك الآلام ، ولا يحيى حياة طيبة يسلم فيها من العذاب وإدراك الآلام . قال الشاعر :
ألا من لنفس لا تموت فينقضي قضاها * ولا تحيا حياة لها طعم
ولم يرد أنّها غير حية ولا ميتة ، وإنّما أراد المعنى الذي وصفناه . وأما قوله تعالى :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[ الفرقان : 12 ] ، فإنّه ليس بخبر باطل على ما توهّموه ، لأنّ الغيظ لا يسمع ، لأنّه قد يمكن أن يخلق لهم في