الآخرة إدراك النفس للغيظ ووجوده في أسماعهم ، ويسمّى سماعا للغيظ ، وكذلك القول عندنا في جواز سماع كلّ موجود ورؤيته من أفعال الجوارح ، وأفعال القلوب ، وأمّا تعلّقهم بأنّها جماد لا تغتاظ فيسمع غيظها أو لا يسمع فباطل ، لأنّه إنّما كنّى بذكر الغيظ عن تسعّرها وشدة لهيبها .
وقد يمكن أن يحييها اللّه عز وجل على يبسها ، ويخلق فيها غيظا على أهلها ، لأنّ الحياة لا تحتاج إلى بيّنة ولا بلّة ، ولا يضادّها اليبوسة والحرارة ، بل لا تحتاج إلا إلى محلها فقط ، وقد بيّنّا ذلك في الكلام في الأصول بما يغني عن تأمّله ، ويحتمل أن يكون أراد سمعوا لها زفيرا وتلهّبا ، وعلموا عند ذلك تغيظها ، واستدلّوا / على العلم بالتغيّظ والزفير واللهيب المسموع ، وسمي العلم بالتّغيظ سماعا له .
فأمّا قوله تعالى :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 70 ] فإنّه غير متناقض من حيث كان السيئات لا تبدّل حسنات أبدا ، لأنّه تعالى لم يعن هذا ، وإنّما أراد وهو أعلم أنني أبدّل عذابهم وجزاء سيئاتهم حسنات في نعيم ورحمة بما أحدثوه وجدّدوه من الإنابة والتوبة ، فلا تعلّق لهم في الآية .
فأمّا قوله تعالى :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[ النور : 40 ] ، فإنّه لا اختلاف فيه ولا تناقض لأنّه لم يكن يعن بذلك أنّها بحيث يجوز أن يراها ، ويمكن ذلك فيها مع قوله :
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
[ النور : 40 ] والعادة على ما هي عليه في رؤية اللّه وامتناع روية الكائن فيما هذه سبيله ، وإنّما أراد بقوله لم يكد يراها ، لم يرد أن يراها أي : لأنّه لا يطمع في ذلك ولا يرجوه ، فكان معنى يريد .
قال الأفوه الأودي :
فإن تجمّع أوتاد وأعمدة * وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا