تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
فأمّا قوله :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
[ السجدة : 5 ] ، فإنّه غير مناف لقوله :
مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج : 4 ] ، لأنّه أحوال وتارات ، فتارة منه تقدّر بألف سنة ، وتارة بخمسين ألف سنة ، ويمكن أن يكون أراد أن الملك يعرج من الأرض إلى حيث يخرج من السماوات ما مقداره من سنّي غيره ألف سنة من أيام الدنيا ، فلا تناقض إذا في هذا . وأمّا قوله :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
[ نوح : 16 ] لم يرد أنّه جعلها في الكواكب ، وإنّما عنى وهو أعلم ، وجعل القمر معهنّ نورا فجعل فيهنّ مكانا معهن . فأمّا قوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها
[ الأحزاب : 72 ] فليس بخبر على أنها أحياء مكلفة ، وإنّما قصده تعالى تعظيم شأن حمل الأمانة ، وأنّ كلّ أحد يضعف عنها ، وإن عظم خلقه ، ويضعف عن أن يطيقها ، قالوا : وذلك نحو قول العرب عرضت الحمل على البعير فأبى أن يحمله ، أي أنّه صغير لا يقوى على الحمولة لصغره وضعفه . وقيل إنّه أراد بذلك أنّه تعالى عرضها على أهل السماوات والأرض والجبال فأبوا أن يحملوها لثقلها ، والقصور عن القيام بحقّها ، كما قال
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] يريد : أهل القرية ، وأصحاب العير ، وقوله :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] يعني : الكفور بجهله بحق اللّه فيها ، واستحقاره لها فبطل ما قالوه أن تجيء السماوات والأرض ويعرض عليهنّ القيام بحق اللّه فيما فرضه ، والخروج من جميعه فأبين ذلك واعترفن بالعجز / عنه فلا إحالة في هذا ولا تناقض من كلّ وجه . فأمّا قوله :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ
[ الفرقان : 37 ] وأنّه ليس بنقيض لإخباره أنّه هو وحده كان الرسول ، لأنّه يمكن أن يكذّبوا لمّا كذبّوه صاروا
الإنتصار للقرآن — صفحة 626 | محمد بن الطيب الباقلاني