تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
قال الشاعر :
يأيّها الراكب المرخي مطيّته * سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إنّي أنا الموت /
ولم يرد أنه ضدّ الحياة ، ولكنّه عنى أنّه يكون فيه ما هو من أسباب الموت فبطل ما توهّموه . فأمّا قوله تعالى :
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
[ النساء : 42 ] ، فإنّه لا تنافي أيضا بينه وبين قوله :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
، و
يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] ، و
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] ، وما جرى مجرى ذلك ، لأنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يكتم شيئا ، لكونه عالما بالغيوب ، وما أضمرته القلوب ، وانطوت عليه النفوس ، وإنّما أراد تعالى لو تسوّى بهم الأرض ، أي : تمنّوا أن تسوّى بهم الأرض وتمنّوا أن لا يكتموا اللّه حديثا ، فحذف واو العطف اقتصارا على مفهوم الخطاب ، وأراد بقوله :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
، أي : لا يتهيّأ لهم كتمان شيء من أعمالهم واعتقاداتهم وإخلاصهم ونفاقهم عنه ، ولا يستطيعون ذلك لكونه عالما بما ينطوي عليه ، فكأنّه قال لست ممّن أكتم شيئا أو ينكتم عنى شيء . ويمكن أيضا أن يكون في جهّال الناس من ظنّ أنّه إذا استسرّ بشيء في نفسه انكتم يوم القيامة عن ربّه ، وكان اعتقاده هذا كفر وضلال فإذا ورد أرض القيامة وحاسبه على اعتقاده وسرائره وذاته ، لم يكن اعتقد في الدنيا كتمان شيء عنه تعالى لما انكشف وعلم ضرورة أنّ الأسرار غير خافية ولا منكتمة عنه ، فندم عند ذلك على جهله واعتقاده فيه سبحانه ما يستحيل ويمتنع في صفته ، وإذا كان ذلك كذلك زال ما قدّروه وبطل ما توهّموه .