فيمكن أن يكون أراد لا بيع فيه ولا خلة أي لا خلة مبتدأة ، مستأنفة لما الناس عليه من شغل العرض والحساب والجزاء والثواب والعقاب . ويحتمل أن يكون أراد به لا خلة في الآخرة بين أهل النار ، فكأنه قال الأخلاء في الدنيا يومئذ أعداء لا تنفعهم خلّتهم التي كانوا في الدنيا عليها ، ولم يرد إثبات الخلة في الآخرة من حيث نفاها فتعالى عن ذلك ، فبطل ما قالوه .
وأمّا قوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
[ البقرة : 143 ] وقوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
[ محمد : 31 ] فلا تناقض بينه وبين قوله :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ التوبة : 78 ] ، و
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ النساء : 176 ] ونحوه ، لأنّه عنى وهو أعلم إلا لتعلم أنت يا محمد ويعلم الذين معك فذكر نفسه وأراد غيره ، وذلك شائع في اللغة ، والقائل بقول يريد أن يفعل كذى ليعلم ويحتجّ لكذا ، ليعلم من المحقّ من المبطل ، والقويّ من الضعيف ، أي : ليعلم ذلك من شكّ فيه دون المحتجّ المتقدم العلم بصحة ما يحتجّ / له .
ويحتمل أن يكون أراد بقوله إلّا ليعلم أتباع الرسول ممن يتبعه ممّن هو كائن موجود ، فإنّه قد علمه قبل كونه متيقنا معروفا وهو يعلمه إذا كان ، ووجد ثابتا موجودا ، وكذلك قوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
، أي حتى تعلم أنت وهم أو حتى نعلم المجاهدين مجاهدين ، ونعلم جهادهم كائنا موجودا ، لأنّه يعلمه قبل وجوده معدوما ويعلمه إذا وجد كائنا موجودا ، والتغيير والوقت جاري على معلومه لا على نفسه تعالى وعلمه ، لأنّه لم يزل بصفات ذاته غير متغيّر ولا حائل على صفته ، والعلم من صفات نفسه .
وقيل إنّ اللّه تعالى لما أمرهم باتّباع الرسول ونهاهم عن المفارقة والانقلاب على الأعقاب ، قال :
لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
،