تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
ويحتمل أيضا أن يكون أراد بقوله :
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
، أنّهم كانوا لا يستطيعون ذلك لتركه وإيثار ضدّه لا للعجز عنه ، وأن يكون أراد بقوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
، أي ما لا تعجز عنه من تكليف الطيران وتنقيط المصاحف مع العمى ، والإخبار عن الغيوب ، ونحو ذلك وهذا ما لا تنافي فيه ولا تناقض ، فبطل ما توهموه . وقد قال كثير من الناس إنّ معنى قوله :
لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
، أي أنّ ذلك يثقل عليهم ويأبونه ، ويكرهونه كما يقول القائل : أنا أكلّم زيدا وما أستطيع كلامه والنظر إليه ، أي : إنّ ذلك يثقل علي ، لا يعني به نفي قدرته على خطابه ، وكيف ينفيها وهو قد خاطبه ، ويحتمل أيضا أنهم كانوا يمنعون من سماع بعض ما يضرّون به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم / من أخباره وأحواله وعن أمته ، ويمنعون من ذلك ويحال بينهم وبينه مع حرصهم عليه وطلبهم له ، وليس ذلك من باب تكاليفهم في شيء . وأما قولهم :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
[ الإسراء : 48 ] ، أي : لا يستطيعون معارضة القرآن والطعن عليه بوجه يوجب فساده وتناقضه ، وكونه شعرا ومن أساطير الأولين ، كما زعموا ذلك وادّعوه . ويحتمل أن يكون أراد أنهم لا يستطيعون جعلك مجنونا كما ادّعوا ذلك عليك أو الكشف عن أنك ساحر على ما ادّعوه وراقبوه ، وليس هذه السبيل التي أمروا بها فيكون ذلك تناقضا على ما قدّروه . فأمّا قوله تعالى :
لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ
[ البقرة : 254 ] ، فلا تناقض بينه وبين قوله :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ] ، لأنه عنى تعالى - وهو أعلم - لا خلة فيه تنفع وإن كانت هناك خلة لا تنفع ،
الإنتصار للقرآن — صفحة 606 | محمد بن الطيب الباقلاني