ويمكن أيضا أن يكون التأويل في ذلك أنه لن يقبل توبتهم الظاهرة ، وإذا وقعت على وجه النفاق ، فيحتمل أن يكونوا قوما آمنوا نفاقا ثم عادوا إلى إظهار الكفر ، فقال تعالى : إن تابوا منه نفاقا مثل توبتهم الأولى فلن يقبل منهم هذا الجنس من الإقلاع ، لأنّه ليس بتوبة في الباطن ، وإن كان توبة في الظاهر عند من لا يعرف المواطن والأسرار ، فلم تكن هذه توبة ندم على الكفر وعدم مواقعة مثله ، وهذا أيضا يبطل ما قدّروه من التناقض .
وقد قيل إنّ / الآية نزلت في المتربصين من أهل مكة حين تربّصوا بالنبي صلّى اللّه عليه ريب المنون ، وقالوا له : فإن ذهبت الحرف ذهبنا إليه وتبنا فقبل توبتنا فقال اللّه تعالى قل لهم لن تقبل توبتهم هذه لأنّها على الحقيقة ليست مخلصة للّه ، وإنما هي للتربّص والمدافعة .
فأمّا قوله تعالى :
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
[ الكهف : 101 ] ،
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
[ هود : 20 ] ، وقوله :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
[ الفرقان : 9 ] ؛ فلا منافاة أيضا بينه وبين قوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] ، و
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
[ الطلاق : 7 ] ؛ لأن قوله :
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
أراد به بعض الأنفس دون بعض ، وكذلك قوله :
إِلَّا ما آتاها
، وقوله :
لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
، خبّر عن بعض المكلفين دون بعض فزال ما توهموه .
ويحتمل أن يكون أراد بالوسع وما آتاها أنّه لا يكلف الإنفاق ولا الزكاة مع عدم المال ، وما كلّف ذلك تعالى ، لأنّه مما لا يستطاع فعله ، ولا تركه وليس كذلك حال عدم الاستطاعة على الإيمان والقبول ، لأنّه قد يستطاع تركه والدخول في ضدّه ، فليس كتكليف الزكاة والنفقة مع عدم الطول والمال .