تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
الواقعة بالجوارح ، وقد قال خلق من الناس إن الإكراه على العلوم وأفعال القلوب لا يصحّ ، وإنّما يتأتّى ذلك في أفعال الجوارح ، والدين من أفعال القلوب ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ظنّهم أنّ نفي الإكراه عن الدين ينصرف إلى نقض أمره بالقتال عليه والدخول فيه . وأمّا قوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ آل عمران : 145 ] « 1 » ، وقد نرى من يريدها فلا يصل إليها ليس ينقض لأنّ من هاهنا ليست للعموم والاستغراق ، بل يراد بها تارة الكلّ وتارة البعض فكأنّه أراد أن من أراد ثواب الدنيا آتاه منها إذا كان في المعلوم أنه يؤتاه منها ولم يرد بذلك الكل ، وقد أوضحنا ذلك في كتابي « أصول الفقه » وغيرهما أنّه لا صيغة للعموم بهذا اللفظ ولا بغيره بما يغني الناظر فيه ، فبطل تعلّقهم به ، ويحتمل أن يكون أراد بقوله نؤته منها إمّا قليلا أو كثيرا ، أو لم يرد أننا نأتيه الكثير وكلّما يريده ، وليس أحد أراد ثوابها إلا وقد أتي منها إما قليل أو كثير فبطل ما ظنّوه . فأمّا قوله في قصة إبراهيم :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
( إلى قوله )
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] ، فليس بنقض لقوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
[ هود : 75 ] ، وقوله :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
[ الدخان : 32 ] ، فيحتمل أن يكون أراد بقوله :
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
بإجابتك لي إلى ما سألته وإلى مشاهدة نمرود ومن أنكر نبوءتي إجابتك لي ، ولم يرد ليطمئنّ قلبي بإزالة شك في كونك قادرا على ذلك .
هامش
( 1 ) جاء نص الآية في الأصل : « من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها » ، وهو خلط من الناسخ بين آيتين ( آل عمران : 145 ، النساء : 134 ) .
الإنتصار للقرآن — صفحة 603 | محمد بن الطيب الباقلاني