وقال آخر :
يا ويح نفسي كان جلدة خلة * وبياض وجهك للتراب الأعفر « 1 »
فبدأ بخطاب الغائب ثم وصله بما يصلح للحاضر ، وإن لم يجب أن يقاس على ذلك سائر ما ذكروه ، وكذلك يحسن من اللّه تعالى استعمال مثل هذا ، وإن لم يستحسن ذلك في كل موضع ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به .
فأما قوله تعالى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
[ طه : 17 ] ، وقوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] ، وقوله :
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
[ القصص : 65 ] ،
مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ الأنبياء : 42 ] ، فإنه وارد على طريق التقرير والتقريع للقوم ، والاحتجاج على من ادّعى على عيسى وأمه ما ادّعت النصارى ، وربّما ورد من هذا الباب لفظ الاستفهام والمراد به التعجب نحو قوله :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
، كأنه قال : عمّ يتساءلون يا محمد ؟ ! قال : عن النبأ العظيم يتساءلون ؟ ! وكذلك قوله :
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
[ المرسلات : 12 ] جاء على وجه التعجب ، ثم قال :
لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 )
( أجلت ) ، وما ورد منه على وجه التوبيخ نحو قوله تعالى :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 165 ] ، ومذهب العرب في هذا معروف إذا قال قائلهم : تعرفني ؟ أتدري من أنا ؟ على مذهب التهديد ، فلا تعلق لأحد منهم في هذا الباب .
هامش
( 1 ) هذا البيت للشاعر أبي كبير الهذلي ، وقد حكاه الطبري كما يلي : يا لهف نفسي كان جلدة خالد . . وبياض وجهك للتراب الأعفر . « تفسير القرطبي » ( 1 : 67 ) .