دائما ، وأن البحر لا يزال ظاميا مرتفعا ، وأن الجبل والسماوات والأرض لا تزولان ولا يتغيران أبدا ، فقالوا كذلك : لا أكلمك ما اختلف الجديدان وما ظمأ البحر ، وهم لا يعنون بذلك مدة من الزمان / منقطعة متناهية ، وإنّما يعنون الأبد الذي لا انقطاع له ولا تأخير ، فخاطب اللّه العرب بما تعهده في كلامها وتعرفه في عرفها فقال تعالى :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
، يعني أنّهم خالدون فيها أبدا سرمدا فعبّر عن هذا بدوام السماوات والأرض لاعتقادهم في أصل اللغة أنّهما غير منقطعين ولا مبتعدين .
فهذا الكلام جواب من قال : كيف قال خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، وقدر دوام السماوات والأرض منقطع متناهي ، وهو قد أخبر أنّ خلودهم ودوامهم غير مجذوذ ولا مقطوع ، وإن وجب اعتقاد انقطاع دوام السماوات والأرض من جهة السمع ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
[ إبراهيم : 48 ] ، وقال :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
« 1 » [ الأنبياء : 104 ] ، فأخبر عن تغييرها وتبديلها .
وأمّا قوله تعالى :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
، فإنّ معناه سوى ما شاء ربك ، ومعنى ذلك أن اللّه تعالى لما علم أن مكث السماوات والأرض منقطع متناهي « 2 » ، قال :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
، أي سوى ما شاء
هامش
( 1 ) كتبت هذه الكلمة على رواية من يقرأ بالإفراد ، وللعلماء فيها مذاهب في قراءتها ، فقد قرأ حفص وحمزة والكسائي « للكتب » على الجمع ، وقرأ الباقون بالتوحيد « للكتاب » ، وحجّة من وحّد أن السجلّ الرجل كما قال ابن عباس ، والتقدير : كطي الرجل الصحيفة ، وحجّة من جمع ، أن السماء موحد يراد به الجمع لأن السماوات كلها تطوى . « الكشف عن وجوه القراءات السبع » ( 2 : 114 ) .
( 2 ) في الأصل بالياء وهي لغة ، والأقوى بدون ياء : متناه .