قال الفرزدق يهجو جريرا :
إنّ الذي رفع السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعزّ وأطول
يريد أنّه عزيز طويل ولم يرد وصف بيت جرير بأنّه عزيز ، وأنّ بيته أعزّ وأطول منه .
وقال آخر :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أننا نغدوا المنيّة أول
يريد أني وجل فجعل أوجل بمعنى وجل ، لأنّ أفعل تستعمل بمعنى فعل ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به بطلانا بينا .
وأما قوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
[ الرحمن : 31 ] ، فلم يرد الفراغ من الشغل ، يتعالى عن ذلك ، وإنّما أراد أنّنا نقصد لحسابكم وجزائكم ، والعرب تقول : سأفرغ لكلامك وسأفرغ لمسائلتك ومواقفتك يعني بذلك القصد إلى هذا دون الفراغ من شغل قاطع ، فلا تعلّق لهم في هذا الباب .
وأما قوله تعالى :
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
، وقوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
، وأنّ المراد به واللّه أعلم يجازيهم على مكرهم واستهزائهم ، وقد نسمي الجزاء على / الشيء باسمه لما بينهما من التعلق ، وقد ذكر هذا في إثبات المجاز ، وذكروا منه قوله :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[ البقرة : 175 ] ، وقوله :
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 194 ] ، وقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] .
وقال الشاعر « 1 » :
ألا لا يجهلنّ أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
هامش
( 1 ) هو عمرو بن كلثوم ، واحد من أصحاب المعلقات السبعة ، شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام .