قالوا : ومما يدلّ أيضا على تغيير القرآن وتلاوة القوم له ورسمه على خلاف ما أنزل اللّه تعالى ، وجودنا فيه خطابا للحاضر بما هو مبين للغائب ، وليس يحسن أن يقول القائل اختبرتك فوجدته ثقة مناصحا ، ورأيتك أمس صحيحا مناظرا فاستعقلته واسترجحته ، لأنّ ذلك أجمع خطاب للحاضر بما هو موضوع للغائب ، وقد وجدنا مثل هذا في مصحف عثمان فمن ذلك قوله :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[ يونس : 22 ] ، فبدأ بخطاب الحاضر فيه بقوله : « كنتم » ثم جاء بخطاب الغائب بقوله : « وجرين بهم » ، ومنه أيضا قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
[ الحجرات : 7 ] وذلك خطاب الحاضر ، ثم قال :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
، وهو خطاب للغائب ، ومنه أيضا قوله تعالى :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
[ الروم : 39 ] ، وهم للغائب وقوله :
آتيتم وتريدون للحاضر ، وهذا تخليط لا يجوز وروده من عند الحكيم العليم .
فيقال / لهم : هذا توهم منكم ، لأنّ أهل اللغة قد أطبقوا على أنّه قد يحسن أن يصل الخطاب الحاضر ما يصلح للغائب في مواضع قد عرفت وجرت بها عادتهم ، ولذلك قد يرد خطاب الغائب أيضا على وجه ما يستعمل خطاب الحاضر ، ويجب أن يسوغ ذلك ويستحسنه حيث استحسنوه .
قال الشاعر « 1 » :
يا دار ميّة بالعلياء فالسند * أقوت ومرّ عليها سالف الأبد
يريد : قويت يا دار ، ومرّ عليك سالف الأبد .
هامش
( 1 ) هذا البيت للنابغة الذبياني رحمه اللّه ، والسند بفتحتين ماء معروف لبني سعد ، « معجم البلدان » ( 3 : 267 ) .