تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
أحدهما : أن الموتة الأولى لا تصحّ أن تعاد فيذوقها أحد ، والآخر : أنّ أهل الجنة لا يذوقون الموت أبدا ، لا الموتة الأولى ولا غيرها . قالوا فهذا يدلّ على أنّ هذا الاستثناء ليس من كلام اللّه ، أو هو من كلامه غير أنّه وارد في غير هذا الموضع ، أو على غير هذا الوجه ، أو كان معه كلام من حكاية عن مبطل ، أو قول لقائل ، أو مقدم أو مؤخّر يخرجه عن الفساد والاستحالة . فيقال لهم : لا يجب شيء ممّا قلتم ، لأجل أنّ إلّا هاهنا بمعنى سوى ، وسوى هو بمعنى غير ، فكأنّه قال تعالى « لا يذوقون الموت غير الموت الذي كانوا ذاقوه في الدنيا ، وقوله فيها ليس معناه أنّهم يذوقون في غيرها الموت ، ولكن لما ذكر الجنة ووصفها ، بأنّها دار مقامهم وقرارهم وأنّه لا دار لهم سواها ، قال : لا يذوقون فيها الموت ، ومثل هذا قوله :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
[ النساء : 22 ] ، يعني سوى ما قد سلف في الجاهلية ، وقد يقول القائل : ما ينالك في هذا الأمر ضرر ولا حزن إلا ما نالك وسوى ما نالك ، لا يريد بذلك أنّك ينالك ما قد نالك وانقضى ومضى ، وإنّما يعني بذلك أنّه لا ينالك شيء غير الذي قد نالك من قبل وهذا أبين من أن يحتاج / إلى إكثار . وأمّا قولهم : إنّ أهل الجنة لو جاز أن يموتوا لم يصحّ أن يذوقوا الموتة الأولى التي كانت في الدنيا ، لأنّها لا تصحّ أن تخلق وتعاد مرة أخرى ، فإنّه باطل ؛ لأنّ الموت المنقضي وجميع الأعراض الفانية يصحّ أن تخلق وتعاد بعد فنائها ، وأن يقدّم خلقها ويؤخر أيضا ، وإن استحال بقاؤها واستمرار الوجود بها وقتين فصاعدا ، وقد بيّنا ذلك ودللنا على صحته في كتاب « شرح