موضع آخر :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً / لِلْمُؤْمِنِينَ
« 1 » [ الحجر : 77 ] فلا تعلّق فيما وصفتم ، وإنّما يخصّ المؤمنين المتفكرين والمعتبرين بالذكر في ذلك ، وتضاف الآيات إليهم دون الكافرين ، ومن أهمل نفسه وصدّق وعاند وتنكّر الحقّ لأجل أنّهم هم المنتفعون بالنّظر في هذه الآيات ، والمستدلون بها والمتبرون بعجيب صنعها ولطيف ما فيها ، وكذلك قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ ق : 37 ] ، يعني من كان له علم ، وإن كان لو نظر في ذلك من لا علم له لعلم بصحيح النظر ما علمه المؤمنون ، واتّعظ وانزجر بذلك ، فذلك ما ظنوه .
قالوا : ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
[ الحديد : 20 ] ، وكيف يعجب النبات الكفار دون المؤمنين الأبرار ، وهذا إذا طلع واخضرّ وأينع ، أعجب المؤمنين والكافرين .
فيقال لهم : لم يرد اللّه تعالى بذكر الكفّار هاهنا الكفّار باللّه تعالى وبالأديان ، وإنّما عنى وهو أعلم بالزرّاع الكفار ، لأنّ مغطّي الزرع إذا بذره في الأرض وستره كافر ، ومنه قيل للمتسلّح المعتد : متكفّر بسلاحه ؛ أي :
متغط به ، من قول الشاعر : في ليلة كفر النجوم غمامها .
يريد غطّى الغمام النجوم وسترها وإنّما قال يعجب الزّراع نباته ، وخصّهم بذلك لأنّهم هم المبلون به والمترقبون لما تخرجه الأرض والمنتفعون به قبل غيرهم ، فأضاف ذلك إليهم .
قالوا : ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً
[ الإنسان :
16 ] ، وقد علم أنّ القوارير لا تكون من فضة ، وفي هذا الكلام إحالة وفساد
هامش
( 1 ) في الأصل « لآيات » ، والصواب ( لآية ) على الإفراد .