تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وقد عرفوا تحدّي النبي صلى اللّه عليه وسلّم للعرب أن تأتي بمثله مجتمعين ومتفرقين ، وأنّه أعجزهم وأفحمهم ، وكان شجىّ في حلوقهم ، وأنّهم تشتّتت آراؤهم واختلفت أقوالهم لمّا تحدّوا أن يأتوا بمثله ، ومنهم من كتبه مصحفا ودوّنه كأبيّ وعبد اللّه بن مسعود وعليّ بن أبي طالب على ما ترويه الشيعة وغيرهم : لم يجز على الصدر الأول ومن بعدهم - مع أنّ حالهم ما وصفناه ، وحال القرآن عندهم ما نزلناه ورتّبناه - أن يهملوا أمر القرآن ويتشاغلوا عن حفظه ، ويقصّروا عن واجبه ، أو يغيّروا شيئا من نظمه ، أو يضعوا مكان كلّ شيء منه غيره ، وأن يتساهلوا في ذلك وهم قد ضيّق عليهم هذا الباب ، وأخذوا بتلاوته وإقرائه على ما لقّنوه وتلقّوه ، وشدّد عليهم الأمر في هذا الباب . فمن ظن أنه لم يكن القرآن يوم أكل الداجن بعضه إن صح هذا الخبر عند أحد من الأمة ، ولا في صدره ، ولا عند أكثرهم عددا ، حتى ذهب وسقط منه شيء كثير عند كثير ، فليس هو عندنا بمحل من يكلّم ، ولا ينتفع بكلام مثله ، لأنه بمثابة من لا يعرف الضرورات ، وما عليه الفطر والعادات ، وهو إذا كان ذلك أبعد عن معرفة ما يحتاج فيه إلى لطيف بحث واستخراج ، وكيف لا يكون حال الأمة في أمر حفظ القرآن والقيام به وبتحصينه وحياطته والمحافظة على درسه وتأمّله وتعلّمه وتعليمه ، التقديم له على كل مهم ماسّ من أمر دينه ، مع الذي وصفناه ممّا ورد في نفس التنزيل المحفوظ من تعظيم شأن القرآن ، والأمر بتدبره والرجوع إليه ، والعمل عليه ، مع كثرة ما سمعوه من الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في الحض على تعلّمه / وتعليمه والأمر بالتفقه به ، والحث على حراسته ، والإكثار من تلاوته ، وضمانه الثواب الجزيل على قراءة كل حرف منه ، وتفضيل أهل القرآن على سائر الناس ، والتعظيم لشأنهم والإخبار عن رفيع درجتهم عند اللّه ، وما أعده لهم ، إلى غير ذلك مما قد