تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
بغيره عنه ، وقد علم بمستقر العادة أنّه لا يجوز أن يذهب أهل كلّ علم انتصبوا له ، وقالوا بتعظيمه وتفضيله ، ورأوا الشرف في حفظه ، والنقص التامّ بالذهاب عنه ، وعن حفظ أشرف باب فيه ، وضبط أعلى ضرب من ضروبه ، ولا يجوز أن يتفق منهم - على كثرة عددهم - ترك حفظ كلام من هو أصل ذلك العلم ومنبعه والرجوع إليه فيه والتشاغل بغيره . هذه قصة الشعراء والخطباء / وأصحاب الرسائل وعلم العربية وطلب علم العروض ، والأطبّاء والفلاسفة ، وأهل كل علم وصناعة ، بها يصونونه وعليها يعوّلون ، في أنّه لا يجوز عليهم التهاون بحفظ ما عظم قدره عندهم ، والاشتغال بما دونه ، ولا حفظ كلام الجاهل عندهم والعدول عن حفظ قول العالم المبرّز ، فإذا كان ذلك كذلك وكان شأن المسلمين في التديّن والتمسك بالشريعة ما وصفناه ، وحال القرآن عندهم وفي نفوسهم ، وقدره في دينهم ما ذكرناه كان ذلك مانعا من ذهابهم عن حفظهم له ، وتوافي هممهم على إهمال أمره ، والتشاغل بغيره . وكلّ ما وصفناه من حالهم وحال القرآن من نفوسهم من أدلّ الأمور على جهل من ظنّ بهم احتقاره وتضييعه والاشتغال بغيره عنه ، وأنّ الغنم والداجن أكل كثيرا منه لم يكن له أصل ولا نسخة عند غير من أكل من عنده ، وأنّه لم يكن المكتوب في المصحف مما أكل ومما لم يؤكل محفوظا في صدور كثير من الأمّة بأسره ، ومتفرقا عند آخرين منهم ، فإنّه لو ظنّ ظانّ أن الغنم والداجن أكل كثيرا من كتاب إقليدس « 1 » ، أو « المجسطي »
هامش
( 1 ) هو ابن نوقطرس بن برنيقس ، المظهر للهندسة المبرّز فيها ويعرف بصاحب جومطريا ، قال الكندي : كان كثير الاطلاع . « تاريخ الحكماء » ص 92 .