تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ويقول تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . . .
الآية [ الحشر : 21 ] ، ويقول تعالى ذكره :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
[ الرعد : 31 ] ، ويقول :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ
[ القمر : 5 ] ، ويقول سبحانه :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ يونس : 37 ] ، ويقول :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
[ المائدة : 48 ] ، فكيف يمكن أن يتفق من مثل الصدر الأول مع شدّة تبيّنهم وتشدّدهم وتبسّطهم وتمسّكهم بالواجب عليهم ، وبذلهم أموالهم وأنفسهم في نصرة دينهم ، والجهاد عن نبيّهم ، وقتل الآباء والأبناء في طاعته ، وفرض الاتّباع له ، أن يغفلوا عن حفظ كتاب اللّه وضبطه ، مع ما قد سمعوه من تعظيم اللّه سبحانه لشأن كتابه وإجلاله ، والأمر بالرد إليه والإذعان لحكمه ، وهم قد علموا مع ذلك أنّه أسّ دينهم ، وأصل شريعتهم ، وأنّ الصحيح ما نطق بصحته والباطل ما أفصح بفساده . وهم مع هذه الحالة التي ذكرناها من حياطة الدين ، وبذل النّفوس والأموال ، ومفارقة الأوطان في نصرة الرسول ، من ذرابة الألسن ، وجودة القرائح ، وثاقب الأفهام ، وسهولة الحفظ عليهم ، ولصوق الكلام بقلوبهم ، على حال لم يكن عليها أحد قبلهم ، ولا ساواهم فيها أحد بعدهم ، فإذا لم يكن بهم من قلّة الدين والتهاون بأمر رب العالمين ، وشأن رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ما يحملهم على ترك الإحفال بالقرآن ، والتصغير لشأنه ، ولم يكونوا من سوء الإفهام وجلافة الطباع ، وقلة الحفظ وتعدد الكلام ، والعيّ واللّكنة ، بحيث يصدّهم ذلك عن حفظ كتاب ربّهم ، ومدار شريعتهم ، فأيّ سبب يقتضي جواز توافي هممهم ودواعيهم على ترك تحفّظ القرآن وضبطه ، والتشاغل