ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك ، وهو : أن ناسا قالوا لما حرّمت الخمر : كيف بمن قتلوا في سبيل اللّه وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس ؟ فنزلت . أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما « 1 » .
ويبدو أن السيوطي قد تابع الزركشي فيما نقله من حكاية شرب الخمر هذه « 2 » ، أقول : إن السيوطي - رحمه اللّه - قد وهم فيما نقله هنا من حكاية عثمان بن مظعون إباحة الخمر ، لأنه معلوم من سيرة عثمان رضي اللّه عنه أنه لم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام ، وقد نقل ابن الأثير قوله : « لا أشرب شرابا يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو أدنى مني » « 3 » وقد ذكرت في أثناء ترجمته أنه مات في السنة الثانية للهجرة وقبل تحريم الخمر بسنوات ، ثم إن السيوطي نفسه في كتابه ( الدر المنثور ) ينقل أن عثمان بن مظعون هو الذي حرم الخمر على نفسه وذلك قبل أن تحرّم ، فقال السيوطي :
« أخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سابط قال : زعموا أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية ، وقال : لا أشرب شيئا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني ، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد . . » « 4 » وذكر أثرا ثانيا يدل على أن عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه ممن ترك الخمر لإثمها فقال :
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : « لما نزلت في البقرة
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
[ البقرة : 219 ]
هامش
( 1 ) الإتقان : 1 / 93 . والأثر أخرجه أحمد في المسند : 2 / 351 - 352 ، والترمذي في التفسير ، باب : ومن سورة المائدة ، عن البراء بن عازب وابن عباس أيضا رقم 3050 - 3053 ، 5 / 254 - 255 .
( 2 ) انظر البرهان : 1 / 122 .
( 3 ) أسد الغابة : 3 / 495 .
( 4 ) الدر المنثور : 3 / 159 .