الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 - 194 ] . مما يدلّ على أن صاحب هذا الرأي لم يتعمّق في فهم الآية وإنما استند إلى ظاهر الآية فقط ، ومع ذلك فإنّ الآية دليل على أن جبريل عليه السلام نزل بالقرآن الكريم لفظا ومعنى ، ولذلك قال المفسرون : والظاهر تعلق
بِلِسانٍ
ب
نَزَلَ
فكان يسمع - عليه الصلاة والسلام - من جبريل حروفا عربية » « 1 » .
وفسروا ( على قلبك ) أي حفّظكه وفهّمك إيّاه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله تعالى
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
« 2 » . [ الأعلى : 6 ] ثم جاءت آيات أخر تؤيد ذلك وتؤكده منها قوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
[ النمل : 6 ] ، وقوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
[ القيامة : 16 - 19 ] وقوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
[ العنكبوت : 48 ] .
فكل هذه الآيات توضح أن الوحي يكون لفظا ومعنى .
وأخيرا : فإنّ السيوطي ومن نقل عنه هذه الأقوال الثلاثة جعلوها تحت عنوان : في المنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم « 3 » ف ( ال ) في ( المنزل ) للجنس ، أي جميع ما أوحي به لرسوله ، ومعلوم أن السنّة نوع من الوحي ، ومنه قوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 - 4 ] . ولذلك فيحمل القول الثاني على السنّة ، وأمّا ما استمسك به المستشرقون ومن والأهم فلا دليل عليه وحججهم داحضة وهي أوهى من خيط العنكبوت وإنّما قالوا ذلك تمشيا مع مبدئهم في تحريف الكلم عن مواضعه ، والسيوطي لم يذكر القولين الأخيرين إلا بناء على منهجه العام في النقل والجمع والاستيعاب ولم يرجّح إلا القول الأول الذي عليه جمهور المسلمين ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الكشاف : 3 / 128 ، والبحر المحيط : 7 / 40 .
( 2 ) م . ن : السابقة .
( 3 ) الإتقان : 1 / 139 ، والبرهان : 1 / 322 .