تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
قال بعض الأئمة : تضمنت سورة الفاتحة : الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام ، والصيانة عن دين اليهود والنصارى . وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين . وآل عمران مكملة لمقصودها . فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم ، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ، ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى . وأوجب الحج في آل عمران ، وأما في البقرة ، فذكر أنه مشروع ، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه ، وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ، لأن التوراة أصل ، والإنجيل فرع لها . والنّبي صلى اللّه عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة دعى اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر . كما كان دعاؤه لأهل الشرك ، قبل أهل الكتاب . ولهذا كانت السور المكية فيها الدّين الذي اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام ، فخوطب به جميع الناس . والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين ، فخوطبوا ب ( يا أهل الكتاب ) . ( يا بني إسرائيل ) ، ( يا أيّها الذين آمنوا ) . وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان : مخلوقة لله ، ومقدورة لهم كالنسب والصهر . ولهذا افتتحت بقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
ثم قال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
[ النساء : 1 ] فانظر إلى هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح ، وبراعة الاستهلال ، حيث تضمنت الآية المفتتح بها ، ما أكثر السورة في أحكامه من نكاح النساء ، ومحرماته ، والمواريث المتعلقة بالأرحام ، وأن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم خلق زوجته منه ، ثم بث منهما رجالا ونساء في غاية الكثرة .
الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن — صفحة 364 | محمد يوسف الشربجي