السور واختلاف العلماء حول ذلك « 1 » ، فمنهم من ذهب إلى القول بالتوقيف وذهب فريق آخر منهم الإمام مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه إلى القول بأن ترتيب السور هو باجتهاد من الصحابة ، بعد إجماع الفريقين على أن ترتيب الآيات توقيفي والقطع بذلك .
ثم استعرض السيوطي أدلة الفريقين وأقوال الأئمة في ذلك ثم أفصح عن رأيه بكل وضوح فقال : فإن قلت : فما عندك في ذلك ؟ قلت : الذي عندي أولا : تحديد محل الخلاف ، وأنه خاص بترتيب سور الأقسام الأربعة ، وأما الأقسام الأربعة نفسها ، من تقديم الطوال ، ثم المئين « 2 » ، ثم المثاني « 3 » ، ثم المفصّل ، فهذا ينبغي أن يقطع بأنه توقيفي ، وأن يدعى فيه الإجماع ، وإن لم أر من سبقني إلى ذلك ، وإنما دعاني إلى هذا أمران : أحدهما ما تقدم من الأحاديث قريبا ، وتركتها اختصارا وأذكر منها قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران » « 4 » فهذا يدل على أن ترتيب السور كان بتوقيف منه صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قال البيهقي : « كان القرآن على عهد النّبي صلى اللّه عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب ، إلا الأنفال وبراءة للحديث الوارد فيها » « 5 » .
والثاني : أن المصاحف التي وقع فيها الاختلاف في الترتيب ، اتفقت على ذلك فإن مصحف أبيّ وابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما قدم فيه الطوال ثم
هامش
( 1 ) وقد تكلم السيوطي عن ذلك بالتفصيل في النوع السابع عشر من الإتقان وهو معرفة أسمائه وأسماء سوره انظر الإتقان : 1 / 194 .
( 2 ) سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها ، انظر الإتقان :
1 / 199 .
( 3 ) المثاني ما ولي المئين ، سميت بذلك لأنها ثنتها ، أي كانت بعدها . م . ن السابق .
( 4 ) مسلم في صلاة المسافرين وقصرها ، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة رقم 804 .
( 5 ) نقل ذلك السيوطي في تناسق الدرر في تناسب السور ، تحقيق عبد اللّه محمد الدرويش ( ط . دار الكتاب العربي ، سورية 1983 م ) ص 28 . وقد أشبع السيوطي الكلام عن ذلك في مناسبة سورة براءة للأنفال في تناسق الدرر ص 55 - 58 .