بعد الآية وهذه السورة تلي تلك السورة ، تظهر من خلالها براعة النظم وروعة الإعجاز ، فلا بد من البحث عن تلك الروابط والعلائق بين السور والآيات إظهارا لهذا الجانب من إعجاز القرآن وقد عدّ السيوطي نفسه هذا الأمر من وجوه إعجاز القرآن الكريم ، فقال في كتابه ( معترك الأقران في إعجاز القرآن ) : « الوجه الرابع من وجوه إعجازه - أي القرآن - مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض ، حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني ، منتظمة المباني » « 1 » فطفق أصحاب هذا الرأي من العلماء في إثبات هذه الصلات بين السور والآيات بشتى الوسائل .
وقسم آخر يرى عدم الجدوى في ذلك فأغفل ذكر المناسبات حتى فيما ظهرت المناسبة بينه وبين غيره محتجين بأنّ آي القرآن وسوره إنما نزلت على حسب الوقائع المتفرقة والأزمان المتباعدة في عشرين سنة ونيّف في أحكام مختلفة وأسباب متباينة ، فمن التكلف إظهار المناسبة بينها . وتوسط قسم ثالث فذهب إلى القول بالمناسبة في مواطنها وعند إمكانية استنتاجها وعدم التكلف فيما لا سبيل فيه إلى المقاربة ، حجتهم في ذلك أن المناسبة بين الآيات والسور - وإن سلّمنا بوجودها - فهي مترددة بين الظهور والخفاء ، فلا داعي إلى التكلف في إظهار ما خفي منها .
والذي عليه السيوطي وجمهور العلماء القول بالمناسبة ، ونقل عن الشيخ ولي الدين الملوي قوله : « قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المفرّقة . وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ ، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف ، كما أنزل جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ، يتبقى في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه
هامش
( 1 ) معترك الأقران : 1 / 43 .