نفسي بأن أصنف في هذا الفن كتابا يحتوي على صفوة ما بلغني من عظماء الصحابة ، وعلماء التابعين ومن دونهم من السلف الصالحين وينطوي على نكات بارعة ، ولطائف رائعة ، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين ، وأماثل المحققين ، ويعرب عن وجوه القراءات المعزوّة إلى الأئمة الثمانية المشهورين والشواذ المروية عن القراء المعتبرين . . ناويا أن أوسمه بعد أن أتمّه بأنوار التنزيل وأسرار التأويل » « 1 » .
وقد استمد البيضاوي تفسيره أيضا من التفسير الكبير المسمى « مفاتيح الغيب » للفخر الرازي ومن تفسير الراغب الأصفهاني ، وضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين كما أنه أعمل فيه عقله ، فضمنه نكتا بارعة ، ولطائف رائعة ، واستنباطات دقيقة كل هذا في أسلوب رائع موجز ، وعبارة تدق أحيانا وتخفى إلا على ذي بصيرة ثاقبة وفطنة نيرة . . . « 2 » .
ويوضح ما ذكرته سابقا حاجي خليفة فيقول : « وتفسيره - يعني تفسير البيضاوي - كتاب عظيم الشأن غني عن البيان ، لخص فيه من الكشاف ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان ، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام ، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات ، وضم إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة والتصرفات المقبولة فجلا رين الشّكّ عن السريرة وزاد في العلم بسطة وبصيرة ، كما قال مولانا المنشئ : ( مجزوء الوافر )
أولوا الألباب لم يأتوا * بكشف قناع ما يتلى
ولكن كان للقاضي * يد بيضاء لا تبلى
ولكونه متبحرا جال في ميدان فرسان الكلام فأظهر مهارته في العلوم حسبما يليق بالمقام ، كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الإشارة وملح الاستعارة
هامش
( 1 ) تفسير البيضاوي ، ( على هامش حاشية الشهاب الخفاجي ) 1 / 16 - 17 .
( 2 ) محمد حسين الذهبي التفسير والمفسرون : 1 / 298 .