فأجاد ، وأتى بكل مستجاد ، وماز فيه أماكن الاعتزال وطرح مواضع الدسائس وأزال ، وحرر مهمات واستدرك تتمات ، فبرز كتابه كأنه سبيكة نضار ، واشتهر اشتهار الشمس في وسط النهار وعكف عليه العاكفون ولهج بذكر محاسنه الواصفون ، وذاق طعم دقائقه العارفون فأكبّ عليه العلماء والفضلاء تدريسا ومطالعة . . ودرجوا عليه من زمن مصنّفه إلى زمن شيوخنا « 1 » . . .
ومن شيوخه الذين قاموا بتدريس هذا الكتاب وإقرائه الشيخ تقي الدين الشّمنّي ومحيي الدين الكافيجي فكانا يأتيان في تقريره بالعجب العجاب ، فلما توفاهما اللّه شغرت الديار المصرية من محقق وخلت من مدرس يبدي ضمائره مدقّق ، فصار الكتاب بما فيه من الكنوز كصندوق مقفل ، وأصبح لفقد من فيه أهلية لتدريسه كأنه مغفل ، فلمّا وجد السيوطي الحال قد صار إلى هذا المآل ، استخار اللّه تعالى في إقرائه وتدريسه يقول : « فأكرمني اللّه سبحانه وتعالى أن جرّدت الهمّة لتدريسه ، وشددت المئزر لتقرير ما فيه وتأسيسه ، فشرعت في إقرائه مفتتح سنة ثمانين وثمانمائة فأقرأت فيه مدة عشر سنين متوالية من أوله إلى أثناء سورة هود ، وبذلت المجهود في استقراء مواده والتنقير عن معادنه ، ولزمت النظر والسهود ، والكواكب شهود . وشرعت مع ذلك في تعليق حاشية عليه تحلل خفاياه وتذلل مطاياه ، فسمع بذلك السامعون وطمع في الوصول إليها الطامعون ، وجسر على إقرائه حينئذ كل جسور . . . » « 2 » ثم يفيض الكلام عن خصومه وحسّاده وعن معاناته منهم وخوفه على كتابه هذا من السرقة
هامش
- ( 685 ه / 1286 م ) ودفن بها ، السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ( ط عيسى البابي الحلبي ، القاهرة : 1971 م ) . 8 / 158 ، والأسنوي ، طبقات الشافعية ، تحقيق كمال الحوت ( ط دار الكتب العلمية ، بيروت : 1987 م ) 1 / 136 ، والسيوطي بغية الوعاة : 2 / 50 ، ونواهد الأبكار : ق 7 / أ .
( 1 ) نواهد الأبكار ، ق 3 / ب .
( 2 ) نواهد الأبكار : ق 4 / أ ، وانظر بهجة العابدين : ق 24 / ب .