مما تقدم يتبين لي أن السيوطي كعادته في التأليف بيّن منهجه في الكتاب وذكر مصادره والكتب التي رجع إليها ، مركزا على الأمانة في نسبة كل قول لقائله والكتاب لصاحبه ، وقد ألف السيوطي هذه الحاشية وهو في الذروة من العلم وفي أخريات حياته بعد اعتزاله الناس وكان عمره آنذاك قرابة ( 50 سنة ) وقبل وفاته بأحد عشر سنة تقريبا ، والتفسير من العلوم التي نبغ السيوطي بها ، فقد ذكر ذلك في أكثر من موضع فقال : تبحّرت في سبعة من العلوم وذكر منها التفسير « 1 » . وقال في مقدمة كتابه تدريب الراوي « 2 » بعد بيان ما أمده اللّه تعالى به من العلوم فقال : « كالتفسير الذي به يطلع على فهم الكتاب العزيز ، وعلومه التي دونتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيز » ، وقد برهن السيوطي على براعته في هذا الفن تطبيقا في حاشيته على هذا الكتاب فيقول : « الكلام على الخطبة ، قوله « الحمد للّه الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا » هو من الاقتباس ، وقد أجمع العلماء على جوازه في النثر واستعمله العلماء قاطبة في خطبهم وإنشاءاتهم ، وللمصنف في ذلك خصوصية ، وهو أن تفسيره هذا مبني كالكشاف على أساليب علم المعاني والبيان والبديع ، والاقتباس من تلك الأساليب فكأن في افتتاحه براعة استهلال من وجهين :
أحدهما : الإشارة إلى أن هذا المصنّف ، الذي شرع في افتتاحه تفسير للقرآن .
والثاني : الإشارة إلى أن هذا التفسير ، على قوانين وأساليب البراعة ، ولمثل ذلك افتتح الطيبي والتفتازاني معا حاشيتي الكشاف بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
[ الكهف : 1 ] .
ثم يتابع الحديث عن الاقتباس وأنواعه وأقوال العلماء فيه وأنه ألف في ذلك كتابا حافلا ولعله يقصد كتاب « رفع الباس وكشف الالتباس في ضرب
هامش
( 1 ) التحدث بنعمة اللّه : 203 ، وحسن المحاضرة : 338 .
( 2 ) السيوطي ، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ( ط 2 دار الكتب العلمية بيروت : 1979 م ) 1 / 39 .