العالم خاصة نفسه ويجلس في بيته ، ويسكت ويدع أمر العوام « 1 » .
ولعل من أكبر الأسباب التي جعلته يعتزل التدريس هو ما لاحظه من تدني مستوى تلاميذه فقد قسمهم ثلاث طبقات وبيّن حال كل طبقة فقال :
أما التدريس فأخذ عني ثلاث طبقات :
1 - طبقة أولى : كانت خيرا صرفا ، دينا وفضلا وصدقا وعرفا ، فحيّاها اللّه وبيّاها ، وأسبغ عليها رحمته في مماتها ومحياها ، وأمطر علينا سحائب فضله وإياها .
2 - وطبقة ثانية : تعرف وتنكر ، وتذم وتشكر ، وهذه يجهل أمرها ويروج سعرها ويخف إصرها .
3 - الطبقة الثالثة : اللّه أكبر ما أكثر شرّها ، وأكبر حرّها وأشد إصرها وأنكد أمرها وأعظم إمرها ، وأقوى فجورها ، وأوفى كذبها ، وبهتانها وزورها ، عظيمة السفه والجهل ، ليست للعلم ولا للحلم بأهل .
ولعل هذه الطبقة هي التي كانت سببا لاعتزاله التدريس لأنه قال : - بعد ذلك - « فإن صبرت حتى تأتي طبقة رابعة ، وفرقة مروّعة لا رائعة ، أوشك أن يأتي بعد هؤلاء حثالة الرجال ، وفراخ يأجوج ومأجوج والدجال » « 2 » .
ولم تكن هذه العزلة شاغلة للسيوطي عن العلم والمشاركة فيه ، بل إنه ألف معظم كتبه في هذه المرحلة من حياته ، وقد أتاح له هذا الاعتكاف والاعتزال والابتعاد عن الحياة العامة بمشاغلها الفرصة للعلم والتأليف وهذا ما تجلى واضحا في آثاره .
هامش
( 1 ) المقامة اللؤلؤية : 2 / 998 .
( 2 ) المقامة اللؤلؤية ( ضمن شرح مقامات السيوطي ) 2 / 1001 - 1002 .