وسبب اعتزال السيوطي الناس ما لاحظه من فساد مجتمعه ، فقد صور لنا فساد زمانه في أكثر من موطن ، فهو في آخر كتابه الإتقان يقول : « هذا وإني في زمان ملأ اللّه قلوب أهله من الحسد ، وغلب عليهم اللؤم حتى جرى منهم مجرى الدم من الجسد . . قوم غلب عليهم الجهل وطمهم ، وأعماهم حب الرئاسة وأصمهم ، قد نكبوا عن علم الشريعة ونسوه ، وأكبوا على علم الفلاسفة وتدارسوه . . كلما هديتهم إلى الحق كان أصم وأعمى لهم ، كأن اللّه لم يوكل بهم حافظين يضبطون أقوالهم وأعمالهم ، فالعالم بينهم مرجوم يتلاعب به الجهال والصبيان ، والكامل عندهم مذموم داخل في كفة النقصان ، وأيم اللّه إن هذا الزمان الذي يلزم فيه السكوت والمصير حلسا من أحلاس البيوت » « 1 » فهو يشرح حال زمانه ويصف ما حل به من الأذى ولذلك فضّل الابتعاد والعزلة اقتداء بالسلف الصالح كما ذكر ذلك في مقامته اللؤلؤية فقال :
« قد تدبرت المصالح ، واقتديت في الترك بالسلف الصالح » « 2 » .
وفي ( المقامة المزهرية ) يذكر أنه تصدى للإفتاء سبع عشرة سنة ، وبقي في الإفتاء والتدريس إلى أن بلغ من العمر أربعين سنة ، وبعد ذلك انسحب من الحياة وترك التدريس والإفتاء « 3 » وفي مقامته ( الاستنصار بالواحد القهار ) يزيد السيوطي الأمر توضيحا وبيانا فيذكر أنه قاسى كثيرا من تصديه للفتوى ، وناله بسبب ذلك ما يشكّل له عذرا وسببا فلا يفتي بعد ذلك ولا يجيب سائلا عن مسألته « 4 » .
وفي ( مقامته اللؤلؤية ) يوضح المسألة أكثر فأكثر ويبين الأسباب التي دعته إلى العزلة وهو يشكو من حال عصره وزمانه وأن السّنّة - والحالة تلك - أن يلزم
هامش
( 1 ) الإتقان : 2 / 1290 - 1291 .
( 2 ) المقامة اللؤلؤية ( ضمن شرح مقامات السيوطي ) 2 / 1038 .
( 3 ) المقامة المزهرية ( ضمن شرح مقامات السيوطي ) 2 / 1043 .
( 4 ) مقامة الاستنصار بالواحد القهار ( ضمن شرح مقامات السيوطي ) 1 / 231 .