تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز في القرآن طريق إلى الإيمان — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
2 -
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ . وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( النحل / 68 و 69 ) . يلاحظ في هذين السياقين أن الأنعام مذكورة فيها على السواء . فلننظر من أي الجوانب عرضت في كل سياق ، ولما ذا عرض هذا الجانب هنا ، وذلك الجانب هناك . السياق الأوّل يرسم صورة للبيوت ، والأكنان ، والظلال ، والسرابيل ، وكلها مما يلاذ به ، أو يحتمى ، أو يستظل ، أو يستتر . ولأن هذا هو ( وحدة الرسم ) عرض من ( الأنعام ) الجانب الذي يتفق مع هذه الوحدة . عرض الجلود التي تتخذ بيوتا ، تستخف يوم الظعن ، والأصواف والأوبار والأشعار التي تتخذ أردية وأثاثا ، والمنظر كله أبنية وأردية وظلال . السياق الثاني يرسم مشهدا لاستخراج الأشربة ، السكر الذي يستخرج من الثمار ، والعسل الذي يخرج من النحل ، ولأن هذه هي ( وحدة الرسم ) عرض من الأنعام الجانب الذي يناسب الأشربة ، عرض اللبن السائغ للشاربين . ولم تقف دقة التنسيق عند وحدة المنظر العامة ، بل تمشّت إلى دقائق الجزئيات ، فهذا السكر يستخلص من الثمرات المخالفة في هيئتها وطبيعتها للسكر . وهذا العسل يستصفى من الأزهار المخالفة في هيئتها وطبيعتها للعسل . وهذا اللبن يستخرج من بين فرث ودم ، المخالفين في هيئتهما وطبيعتهما للّبن ، فهي كلها تستحيل من أشياء أخرى ، ثم المنظر كله زراعي حيواني فيه حياة ، ألا إنّه الإبداع هنا في وحدة الأجزاء ، ودقة التصوير ، وتناسق الإخراج . ومثل هذه اللمسات الدقيقة التي تستوعب دقائق الجزئيات كثير في القرآن ، تتكشف
الإعجاز في القرآن طريق إلى الإيمان — صفحة 71 | منيب الطحان