من مواردها الكثير . . فللذرّة نواة ، وقد تنفلق النواة أو تنشطر ثم تلتحم . . ولا تحسبنّ أنّ الإنسان هو الذي قام بشطر نواة الذرّة ليستخرج منها الطاقة الذريّة ، ولكن هذه العملية موجودة قبل أن يظهر الإنسان ببلايين السنين . . وهي الأساس الذي تقوم عليه حياة شمسنا من قديم الأزل . . فهناك موت وحياة على المستوى الذري ، وكذلك على المستوى الشمسي أو النجمي ، والموضوع بعد ذلك طويل جدا . . وبعد الذرّة تأتي الجزيئات صغيرها وكبيرها . . ومن المؤكد أن الحياة بدأت بخلية ملقحة ، جاء نصفها من الأب ونصفها من الأم فأصبحت واحدا ، والواحد ينقسم إلى اثنين فأربعة فثمانية ف - . . ، فلق من وراء فلق ن لتتكاثر خلاياك وتنمو وتتميز إلى أنسجة وأعضاء . » « 1 » وهذا المثال يتوافق أيضا مع ما سنبحثه عن انطباق آيات القرآن على ما يكشفه العلم الحديث .
وهكذا رأينا كيف انتقل الباحثون في الأسلوب القرآني من أفق المصطلحات البلاغية ، إلى أفق الفن الأدبي الرفيع ، وكل واحد منهم يبرز جانبا أو أكثر من الجوانب الفنية . فالمرحوم « سيد قطب » أشار إلى قيام المنهج القرآني على خبرة مطلقة بالنفس الإنسانية ، ومما قاله في ذلك : « لو تأملنا الآيات :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ . . .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
( البقرة / 204 - 207 ) نجد الملامح الواضحة لنموذجين من البشر : الأول نموذج المرائي الشرير الذلق اللسان ، الذي يجعل شخصه محور الحياة كلها ، والذي يعجبك مظهره ويسوؤك مخبره . . والثاني نموذج المؤمن الصادق الذي يبذل نفسه كلها لمرضاة اللّه ، ولا يستبقي منها بقية . هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس ، تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا
هامش
( 1 ) مجلة الهلال ، العدد 12 ، عام 1970 ، ص - 29 - 37 .