أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
( الكهف / 37 ) . وهكذا تتكرر كلمة « النطفة » ولا تتكرر أبدا ، وإنما تحمل في كل مرة مشهدا جديدا ، بحيث يتكامل معناها في الذهن كما يتكامل كائن حي من بذرة تنمو شيئا فشيئا إلى نبات كامل . ثم ينتقل في مدارج العلم من النطفة نزولا حتى أصغر شيء يصل إليه العلم : الذرّة ومثقال الذرّة ، فيلفت النظر إلى أن هناك أصغر من مثقال الذرّة
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ
( سبأ / 3 ) ، ثم يعود فيلفت نظرنا إلى أن كل هذه العلوم التي أشار إليها إنما هي علوم كونية خاصة بالكون الخارجي ، وما فيه من نبات وحيوان وإنسان وجبال . . ولكن هناك نوع آخر من العلم مطلوب منا أن ننظر فيه ، وذلك هو العلم بالنفس :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( الذاريات / 21 ) . ثم نوع آخر أكبر من العلم بالنفس ، هو العلم باللّه :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . .
( محمد / 19 ) وهكذا تتكرّر كلمة العلم في القرآن ، فلا تتكرر ، وإنما تتفرّع وتتنوّع ، فهناك علم بالكون ، وعلم بالنفس ، وعلم باللّه . . ثم تنفصل هذه العلوم في حدودها وأنواعها في رحلة الكلمة داخل القرآن . . والعلوم الكونية وحدها لا تصنع من الإنسان عالما ، فالعلم بظواهر الأشياء ومقاديرها وعلاقاتها هو دائما علم ناقص ، وأهل الغفلة هم الذين يقتصرون على هذه العلوم الظاهرة :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
( الروم / 7 ) .
وهكذا يتجلى لنا من خلال بيان المعمار أو البنية الهندسية للكلمة القرآنية أن الإعجاز القرآني ليس في البلاغة والفصاحة فحسب بل ويتجلى كذلك في كونه تحدث عن دقائق العلوم ، وأن العلم الذي يدعونا القرآن للاهتمام به هو العلم بصفة عامة ، علم الإنسان والفيزيولوجيا ، علم النفس ، علوم الدين ، وهناك آيات