المنشأ والمصير ، لتلمس الوجدان الإنساني لمسة قوية في مجال الدعوة الدينية ، وفي مجال التأملات الوجدانية . ولقد كان من المتوقع أن يعرف الإنسان هذا الفضل العظيم ، وأن يقر بتلك النقلة البعيدة ، ولكن :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( العلق / 6 و 7 ) . لقد برزت إذن صورة الإنسان الطاغي الذي نسي منشأه ، وأبطره الغنى ، فالتعقيب التهديدي السريع على بروز هذه الصورة هو :
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
( العلق / 8 ) » « 1 » .
وسار الباحثون الجدد على نهج « سيد قطب » ، ومن هؤلاء الباحثين :
الدكتور « مصطفى محمود » الذي يقول : « لقد انفرد القرآن بذروة في البلاغة ، وقمة في البيان ، وجمال في الأسلوب ، لم يطاوله فيه كتاب ، وقد أفاض القدماء في هذا وأغنونا ، لكن يظل هناك وجه معجز من وجوه الإعجاز في القرآن ، ربما كان أهم من كل هذه الوجوه ، وهو ما أسميه بالمعمار أو البنية الهندسية ، أو التركيب العضوي ، أو الترابط الحي بين الكلمة والكلمة . . وما أشبه القرآن في ذلك بالكائن الحي . الكلمة فيه أشبه بالخلية ، فالخلايا تتكرر وتتشابه في الكائن الحي ، ومع ذلك فهي لا تتكرر أبدا ، وإنما تتنوع وتختلف ، وكذلك الكلمة القرآنية فهي تتفرع عبر التكرار الظاهر لتعرض مشاهد تكمل بعضها بعضا ، تماما كما تنقسم خلية الجنين لتعطي خلايا الرئتين والقلب والكبد والأحشاء والعظام والجهاز العصي إلى أن تعطينا إنسانا كاملا . وقد جاء كل هذا التنوع من خلايا متشابهة ، فذلك هو التفصيل الذي كان مجملا في الخلية الأولى للجنين . . وكمثال نأخذ كلمة العلم في القرآن ، فنجد أن العلم يأتي في البداية مجملا بمعنى النظر في خلق السماوات والأرض ، ثم نجد هذا النظر يأتي بعد ذلك مفصلا
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
( الغاشية / 17 - 20 )
هامش
( 1 ) التصوير الفني في القرآن ، ص - 29 .