الربط بين محاولات تفسير سر الإعجاز القرآني وبين العلوم البلاغية .
ثم جاء « عبد القاهر الجرجاني » « 1 » فألف كتابين بارزين في تاريخ النقد والبلاغة ، هما : ( دلائل الإعجاز ) و ( أسرار البلاغة ) ، وخصص الأول لتحليل النماذج القرآنية ، وأشار فيه إلى التصوير القرآني والتناسق الجمالي فيه . فقد آمن بأن القرآن معجز بنفسه ، وأسباب إعجازه كامنة فيه . . ولم يؤمن بأن الإعجاز ناشئ من تخير مفرداته ، ولا من موسيقاه المتكونة من مواقع حركاته وسكناته ، ولا من الفواصل التي في آخر الآيات . ولم يؤمن بأن مصدر الإعجاز وحده كان في الاستعارة والكناية وألوان المجاز التي تنثر هنا وهناك في القرآن ، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آيات معدودة هي التي اشتملت على الاستعارة وما معها من كناية ومجاز . ولم ينكر أن الاستعارة ونظائرها من جملة ما القرآن معجز به ، لأنها من مقتضيات النظم . فألّف هذا الكتاب ليكشف به سر النظم ، ويوضح وجوه دلالته ، وخلص من الجهود التي بذلها في ( دلائل الإعجاز ) إلى : « أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ، ولم يعلم أنها معدنه وموضعه ومكانه ، وأنه لا مستنبط له سواها ، وألّا وجه لطلبه فيما عداها ، غارّ نفسه بالكذب من الطمع ومسلم لها من الخدع » « 2 » وكأنه عندما وصل إلى هذه الغاية وضع القلم وتركنا نطبق المقياس الذي نهتدي به إلى إعجاز القرآن ، وهو بلاغته التي ترتفع به إلى أسمى الدرجات . فبيّن معنى البلاغة
هامش
( 1 ) هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني ، واضع أصول البلاغة ، كان من أئمة اللغة ، له شعر رقيق . من كتبه أسرار البلاغة ، ودلائل الإعجاز . توفي سنة 471 .
الأعلام للزركلي 4 / 174 .
( 2 ) انظر : ( عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية ) د . أحمد أحمد بدوي ، ص 116 .