تقبله العقول ، وذلك لا يكون إلّا وفق صورة واحدة ، وهي أن نقول لا بدّ عقلا من وجود موجد عظيم هو الأصل ، وعدمه مستحيل . وهذا الكون بما فيه الأصل فيه العدم ، ولا بدّ لإخراجه من العدم إلى الوجود من سبب موجد ، ولا يكون السبب الموجد للكون بجميع ما فيه إلّا موجودا عظيما وجوده هو الأصل ، وهو واجب الوجود ، ذلك هو اللّه سبحانه وتعالى .
الدليل الثاني : دليل الإمكان في الكون
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
( الفرقان / 45 ) . كما أشار القرآن إلى هذا الدليل في الآيات : ( 27 / القصص ، و 19 / إبراهيم ، و 30 / الملك ) إذ بيّن أنّ الصور والأنظمة والأوضاع يمكن أن تختلف وتتغير أو تتحول من وجود إلى عدم ، ومن وضع إلى وضع ، وإذا كان ذلك ممكنا فلا بدّ أن يكون له مخصص وهذا المخصص هو الموجد القادر الحكيم الذي أوجدها من العدم .
الدليل الثالث : دليل التغير والسببية : نحن نرى أن حوادث التغير لا تنفك عن الموجودات الكونية ، ويتبدى ذلك بوضوح في التحولات الكيماوية والفيزيائية . ولا بدّ لكل تغير من سبب أثّر فيه ، وأبسط أنواع هذه التغيرات هو التغير المكاني ، كانتقال قطعة من الصخر من مكان إلى آخر . والتغيرات الكونية لا بد لها من سبب حقيقي كامل القدرة صدرت عنه هذه القوى الكونية الكبرى . . ولا بد أن يكون هذا القادر منزّها عن التغير والتحول . وهذا الدليل هو الذي اعتمد عليه أبو حنيفة حينما أقام الحجة على الزنادقة . ولئن عبّرنا بلفظ السبب ومعنى السببية فإنّ القرآن اختار لفظ « الخلق » ، ذلك لأن السببية متى انتهت إلى العليم القادر على كل شيء كانت خلقا . مثل :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ، وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا