متتالية تستحق أن يقف المرء عند كل منها وقفة تأمل وتدبر طويلة . وكذا الأمر بالنسبة لتنوع الحيوانات على ظهر الأرض واختلاف فوائدها . ويكفي أن نذكّر بعالم النحل الذي أثبت له العلم فوائد لا تعد ولا تحصى ، وكيف اختصر القرآن ذلك بقوله :
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( النحل / 69 ) . ثم لا بد من التأمل في عالم النبات وعجائبه ، ويكفي أن نذكّر بتحوّل عناصر التراب الميتة إلى خلايا نباتية حيّة في صورة زروع وثمار مختلفة يعيش عليها الإنسان والحيوان ، ثم تبدأ دورة أخرى وهكذا . .
- في السماوات : لقد ورد ذكر السماء في القرآن في أكثر من مائتي آية قرآنية تناولت قدرة اللّه تعالى في خلق وبناء السماوات . وقد عرضنا كثيرا من الشواهد في الفصل الثاني من الباب الأول ، ولا حاجة للتكرار . وإنما يكفي أن نذكّر بدعوة القرآن للتفكر في الأجرام العلوية وما أودع فيها من نظام محكم ، وأنه رغم كل الاكتشافات الهائلة في علم الفلك فإننا لا نزال في بداية الطريق ، كما قال أحد العلماء . ورأينا دعوات توافق العامة كما توافق الخاصة ، فنظرة العامي إلى قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ
تثير إيمانا ساذجا بعجيب قدرته تعالى ، ونظرة المتعلم تجعله يتأمل من زاوية الأدلة العقلية والمنطقية . وكل واحد يتأثر حسب استعداداته وعواطفه ومداركه . والكل يلاحظ الإحكام والضبط في هذا الكون الفسيح الذي يسير وفق قوانين دقيقة من الذرة المتناهية في الصغر إلى الشمس وكواكبها ، إلى السماء المترامية ، ومهما أعاد النظر فلن يجد إلا ملكا رائعا متناسقا
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
( الملك / 4 ) .
غير أن هذه الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها قد تصيبها بعض الآفات من