نخلص من كل ما ذكرنا إلى أن حواسنا هي منافذ العلم لدينا ، ولكنها محدودة لا تتناول كل شيء موجود ، وكذا قدرة التخيّل . إذن ما هي أدلة وجود الخالق الذي اعتقد الإنسان منذ بدء الخليقة بوجوده ؟ . لا شك في أن الأدلة كثيرة ، وقد تطوّرت مع تطور المجتمعات الإنسانية ، منذ أن اتخذ الإنسان أربابا متفرقين ، إلى أن عرف الإله الواحد ، ذلك لأن في الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد ، ومسألة « وجود اللّه » مسألة وعي قبل كل شيء ، وعي بوجوده وحقيقته الذاتية ، وعي يقيني بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية ، لأنه متصل بهذا الوجود بل قائم عليه .
« نعتقد أن الوعي الكوني المركب في طبيعة الإنسان هو مصدر الإيمان بوجود الحقيقة الكبرى ، التي تحيط بكل موجود ، وللإنسان وعي بما في الكون من جمال ونظام وأسرار ، فإذا احتجب الجمال عند أناس ، وأسفر عند آخرين ، فليس ذلك بقادح بوجود اللّه أو صدق الإحساس بمعانيه . وليس « لا » أحق بالتصديق من : « نعم » . فأرسطو مثلا لم يثبت وجود اللّه ليقنع به منكرا ، ولكنه أثبته لأن تفسيره لظواهر الكون لا يتم بغير هذا الإثبات . ولما ظهرت الأديان الموحدة كان الجدل في صفات اللّه أكثر وأعنف من الجدل في وجوده . » « 1 »
يقول الفيلسوف « فيثاغورس » - ولد عام 580 ق . م - : إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد ، ولا يدخل في العدد ، ولا يدرك من جهة العقل ، ولا من جهة النفس ، فهو فوق الصفات الروحانية ، غير مدرك من نحو ذاته ، وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله . وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر فيه صنعته . » « 2 » .
هامش
( 1 ) ( اللّه ) : عباس محمود العقاد ، ص - 212 .
( 2 ) الملل والنحل ، للشهرستاني ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، ص - 74 .