وأنا هنا لا أستطيع أن أحصي أو أورد جميع البراهين التي استدل بها الفلاسفة والعلماء على وجود اللّه . فهي أكثر من أن يحيط بها كتاب . لذا أكتفي بذكر أقربها إلى التواتر والقبول ، مبتدئا بالمنهج القرآني لأنه هو الأساس الذي بنينا عليه أبحاثنا كلّها . علما بأن دراسة العقيدة الإسلامية اتخذت اليوم منهجين ؛ أحدهما منهج القرآن ، وثانيهما ؛ منهج الأدلة العقلية والبراهين المنطقية .
أولا ) المنهج القرآني :
دليل الفطرة والبداهة :
عن أبي حنيفة النعمان أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى ، فقال لهم : دعوني ، فإني مفكّر في أمر قد أخبرت عنه . ذكروا لي أن سفينة في البحر موفرة فيها أنواع من المتاجر ، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب وتجيء ، وتسير بنفسها ، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها ، من غير أن يسوقها أحد . فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل . فقال : ويحكم ، هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي ، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع ؟ . فبهت القوم ورجعوا إلى الحق ، وأسلموا على يديه . » « 1 » .
فكل إنسان يعرف بالفطرة أنه لا بد لكل صنعة من صانع . وهذا معنى قول العلماء : إن الإنسان مجبول على معرفة اللّه فيما لو خلي مع فطرته أي عارض يخدش سلامتها . وقد ضربوا مثلا على سلامة الفطرة بذلك الأعرابي الذي سئل عن دليله على وجود اللّه فقال على البداهة : البعرة تدل على البعير ، وأثر السير يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ( 1 / 62 ) .