من قال : إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره : ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها ، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي ، ومعناه الإبطال والإزالة من قولهم : نسخت الشمس الظل ، ونسخت الريح الأثر ، وهذا كأنه يدل على أن اللّه ينسخ شيئا ألقاه الشيطان ، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبيّ ، فالذي يظهر لنا أنه الصواب ، وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة ، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين : هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبيّ : الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها ، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر ، أو أساطير الأولين ، وأنها مفتراة على اللّه ليست منزلة من عنده والدليل على هذا المعنى : أن اللّه بيّن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق ، لأنه قال :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
[ الحج : 53 ] . ثم قال :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
[ الحج : 54 ] .
فقوله :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ .
الآية . يدل على أن الشيطان يلقى عليهم ، أن الذي يقرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس بحق فيصدّقه الأشقياء ، ويكون ذلك فتنة لهم ، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم ، ويعلمون أنه الحق لا كذب فيه كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه : فهذا الامتحان لا يناسب شيئا زاده الشيطان من نفسه في القراءة ، والعلم عند اللّه تعالى » اه « 1 » .
قلت : وهذا رأى معتبر له وزنه ، وإليه أميل .
وقال الشيخ / عبد اللّه بن الصديق الغماري - معلّقا على قصة الغرانيق هذه - :
« فهذه القصّة - وتسمى قصة الغرانيق - باطلة . . . وأول نكارة في تلك القصة ! تسلط الشيطان على النبي صلى اللّه عليه وسلم بإلقاء شيء على لسانه وهو لا يعلم . مع أن من البدهيات العقلية عصمة النبي من الشيطان . فكيف تمكن منه في هذه الحادثة ؟ ! هل كان نائما ؟ لنفرض ذلك ! فهو معصوم في نومه . ولذا كانت رؤيا الأنبياء وحيا يعمل بها في التشريع ، كما في قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام .
هامش
( 1 ) « أضواء البيان » ( 3 / 528 - 531 ) بتصرف .