ثم ذكر « الشوكاني » عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل ، وعن البيهقي أنه قال : هي غير ثابتة من جهة النقل ، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة : أن هذه القصّة من وضع الزنادقة ، وأبطلها ابن العربي المالكي ، والفخر الرازي وجماعات كثيرة ، وقراءته صلى اللّه عليه وسلم سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح ، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق « 1 » .
وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال .
وأما على ثبوت القصة كما هو رأى الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري : إن هذه القصّة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل ، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض ، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها ، دلّ ذلك على أن لها أصلا .
فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها ، وأقربها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات ، فلما قرأ : « ومناة الثالثة الأخرى » قال الشيطان لعنه اللّه محاكيا لصوته :
تلك الغرانيق العلى إلخ . فظن المشركون أن الصوت صوته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو برئ من ذلك براءة الشمس من اللمس . . .
والحاصل : أن القرآن دلّ على بطلانها ، ولم تثبت من جهة النقل ، مع استحالة الإلقاء على لسانه صلى اللّه عليه وسلم لما ذكر شرعا ، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان . فتبيّن أن نطق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بذلك الكفر ، ولو سهوا مستحيل شرعا ، وقد دلّ القرآن على بطلانه ، وهو باطل قطعا على كل حال ، والغرانيق : الطير البيض المعروفة واحدها : غرنوق ، وفيه لغات غير ذلك ، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى اللّه كالطير البيض ، فتشفع عنده لعابديها قبحهم اللّه ما أكفرهم ، ونحن وإن ذكرنا أن قوله
« فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ »
يستأنس به لقول
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه ، قال : أوّل سورة أنزلت فيها سجدة« وَالنَّجْمِ »قال : فسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم وسجد من خلفه ، إلا رجلا رأيته أخذ كفّا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف » . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن أبي إسحاق به ، وقوله في الممتنع - أي عن السجود - أنه أمية بن خلف في هذه الرواية مشكل ، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عتبة بن ربيعة .