بالحق وبه يعدلون ، فوجد أمة مقسطة يقتسمون بالسويّة ويحكمون بالعدل ويتأسون ويتراحمون . . . حالهم واحدة ، وكلمتهم واحدة ، وأخلاقهم مشتبهة ، وطريقتهم مستقيمة ، وقلوبهم مؤتلفة ، وسيرتهم مستوية ، وقبورهم بأبواب بيوتهم ، وليس على بيوتهم أبواب ، وليس عليهم أمراء ، وليس بينهم قضاة ، وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف ، ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون ولا يتنازعون ولا يستبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس ، وهم أطول الناس أعمارا ، وليس فيهم مسكين ولا فقير ولا فظّ ولا غليظ .
فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم أعجب منهم وقال لهم :
أخبروني أيها القوم خبركم ، فإني قد أحصيت الأرض كلها . . برها وبحرها ، شرقها وغربها ، ونورها وظلمتها . . فلم أجد فيها أحدا مثلكم . . . !
فأخبروني خبركم ؟ قالوا : نعم ، سلنا عما تريد . قال : أخبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم ؟ . قالوا :
عمدا فعلنا ذلك ؛ لئلا ننسي الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا .
قال : فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب ؟ قالوا :
ليس فينا متّهم ، وليس فينا إلا أمين مؤتمن .
قال : فما بالكم ليس عليكم أمراء ؟ قالوا : ليس فينا مظالم .
قال : فما بالكم ليس بينكم حكام ؟ قالوا : لا نختصم .
قال : فما بالكم ليس فيكم أغنياء ؟ قالوا : لا نتكاثر « 1 » .
قال : فما بالكم ليس فيكم أشراف ؟ قالوا : لا نتنافس .
قال : فما بالكم لا تتفاوتون ولا تتفاضلون ؟ قالوا : من قبل أنا متواصلون متراحمون .
هامش
( 1 ) قلت : وهذا كذب له قرون ، لأنه يخالف قول اللّه تعالى :وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ[ النحل : 71 ] .