الهدهد ، فإن عنده من الشياطين والعفاريت ، ما يحفرون له الماء ، ولو بلغ في العمق ما بلغ . وسخّر اللّه له الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، فكيف - مع ذلك - يحتاج إلى الهدهد ؟ ! ! .
وهذه التفاسير التي توجد وتشتهر بها أقوال ، لا يعرف غيرها ، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل مجرّدة ، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة ، وتطبيقها على الأقوال ، ثم لا تزال تتناقل ، وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم ، حتى يظن أنها الحق ، فيقع من الأقوال الردّية في التفاسير ما يقع ، واللبيب الفطن ، يعرف أن هذا القرآن الكريم ، العربي المبين ، الذي خاطب اللّه به الخلق كلهم ، عالمهم وجاهلهم ، وأمرهم بالتفكر في معانيه ، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني ، التي لا تجهلها العرب العرباء ، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول اللّه ، ردّها إلى هذا الأصل ، فإن وافقته قبلها ، لكون اللفظ دالا عليها ، وإن خالفته لفظا ومعنى ، أو لفظا أو معنى ، ردّها وجزم ببطلانها ، لأن عنده أصلا معلوما مناقضا لها ، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته .
والشاهد ، أن تفقد سليمان عليه السلام للطير ، وفقده الهدهد ، يدل على كمال حزمه وتدبيره الملك بنفسه ، وكما فطنته ، حتى فقد هذا الطائر الصغير
« فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ »
أي : هل عدم رؤيتي إياه ، لقلة فطنتي به ، لكونه خفيّا بين هذه الأمم الكثيرة ؛ أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير إذني ولا أمري ؟ .
فحينئذ تغيظ عليه وتوعده ، فقال :
« لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً »
دون القتل ،
« أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
أي : حجة واضحة على تخلفه ، وهذا من كمال ورعه وإنصافه ، أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل ، لأن ذلك لا يكون إلّا من ذنب ، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح ، فلذلك استثناه ، لورعه وفطنته » .
( 4 ) إسرائيليات في تفسير قوله تعالى :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[ النمل : 23 ] .
ذكر بعض أهل التفسير - هنا - عدة روايات لا تصح بحال ، نذكر منها :