شك أن إيمان المخذول كان من ذلك القبيل وإنكاره مكابرة ، وقد حكى إجماع الأئمة المجتهدين على عدم القبول ومستندهم فيه الكتاب والسنة ، وما ينقل عن الإمام مالك من القبول لم يثبت عند المطلعين على أقوال المجتهدين واختلافاتهم .
وفي « الزواجر » : « إنا لم نحكم بكفره - يقصد فرعون - لأجل إيمانه عند البأس فحسب ، بل لما انضم إليه من أنه لم يؤمن باللّه تعالى إيمانا صحيحا بل كان تقليدا محضا بدليل قوله :
« إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ »
فكأنه اعترف بأنه لا يعرف اللّه تعالى وإنما سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها فآمن بذلك الإله الذي سمع بني إسرائيل يقرون بوجوده وهذا هو محض التقليد الذي لا يقبل ، لا سيّما من مثل فرعون الذي كان دهريّا منكرا لوجود الصانع فإنه لا بد له من برهان قطعي يزيل ما هو عليه من الاعتقاد الخبيث البالغ نهاية القبح والفحش . وأيضا ، لا بد في إسلام الدهري ونحوه ممن كان قد دان بشيء أن يقر ببطلان ذلك الشيء الذي كفر به ، فلو قال : آمنت بالذي لا إله غيره لم يكن مسلما ، وفرعون لم يعترف ببطلان ما كان كفر به من نفي الصانع وادعاء الإلهية لنفسه الخبيثة ، وقوله :
« إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ »
لا يدري ما الذي أراد به ، فلذا صرح الأئمة بأن آمنت بالذي لا إله غيره لا يحصل الإيمان للاحتمال فكذا ما قاله ، وعلى التنزيل فالإجماع منعقد على أن الإيمان باللّه تعالى مع عدم الإيمان بالرسول لا يصح ، فلو سلمنا أن فرعون آمن باللّه تعالى إيمانا صحيحا فهو لم يؤمن بموسى عليه السلام ولا تعرض له أصلا فلم يكن إيمانه نافعا ، ألا ترى أن الكافر لو قال ألوفا من المرات : أشهد أن لا إله إلا اللّه أو الذي آمن به المسلمون لا يكون مؤمنا حتى يقول :
وأن محمدا رسول اللّه .
والسّحرة تعرّضوا في إيمانهم للإيمان بموسى عليه السلام بقولهم :
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
( 48 ) [ الشعراء : 47 - 48 ] ، لأن إيمانهم حين آمنوا كان بمعجزة موسى عليه السلام والإيمان باللّه تعالى مع الإيمان بمعجزة الرسول إيمان بالرسول ، فهم آمنوا بموسى عليه السلام بخلاف فرعون ، فإنه لم يتعرّض للإيمان به - عليه السلام - أصلا بل في ذكره بني إسرائيل دونه مع أنه الرسول العارف بالإله والهادي