والإماتة مع رجل يمارى في تلك الحقيقة الهائلة . حقيقة منح الحياة وسلبها هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئا . . . وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الخفية ، إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية ؛ وعدل عن طريق العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله : « ربي الذي يحيي ويميت » . . إلى طريقة التحدي ، وطلب تغيير سنة اللّه لمن ينكر ويتعنت ويجادل في اللّه ؛ ليريه أن الرب ليس حاكم قوم في ركن من الأرض ، إنما هو مصرف هذا الكون كله . ومن ربوبيته هذه للكون يتعيّن أن يكون هو رب الناس المشرع لهم : « قال إبراهيم فإن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب » . . . وهي حقيقة كونية مكرورة كذلك ؛ تطالع الأنظار والمدارك كل يوم ؛ ولا تتخلّف مرة ولا تتأخّر . وهي شاهد يخاطب الفطرة - حتى ولو لم يعرف الإنسان شيئا عن تركيب هذا الكون ، ولم يتعلّم شيئا من حقائق الفلك ونظرياته - والرسالات تخاطب فطرة الإنسان في أي مرحلة من مراحل نموه العقلي والثقافي والاجتماعي ، لتأخذ بيده من الموضع الذي هو فيه . ومن ثم كان هذا التحدّي الذي يخاطب الفطرة كما يتحدّث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل :
« فبهت الذي كفر » . .
فالتحدي قائم ، والأمر ظاهر ، ولا سبيل إلى سوء الفهم ، أو الجدال والمراء . . وكان التسليم أولى والإيمان أجدر ، ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر ، فيبهت ويبلس ويتحيّر . لا يهديه اللّه إلى الحق لأنه لم يتلمس الهداية ، ولم يرغب في الحق ؛ ولم يلتزم القصد والعدل : « واللّه لا يهدي القوم الظالمين » « 1 » .
( 2 ) إسرائيليات في قصّة « الذّبيح » :
قال تعالى :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ
هامش
( 1 ) « الظلال » ( 1 / 297 - 298 ) .