« ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه اللّه الملك ؟ » .
ألم تر ؟ إنه تعبير التشنيع والتفظيع ، وإن الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء . فالفعلة منكرة حقّا : أن يأتي الحجاج والجدال بسبب النعمة والعطاء ! وأن يدعى عبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب ، وأن يستقل حاكم بحكم الناس بهواه دون أن يستمد قانونه من اللّه .
« قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت » . .
والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكررتان في كل لحظة ، المعروضتان لحس الإنسان وعقله . وهما - في الوقت نفسه - السّر الذي يحيّر ، والذي يلجئ الإدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر غير بشري . وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق . ولا بد من الالتجاء إلى الألوهية القادرة على الإنشاء والإفناء لحلّ هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الأحياء .
إننا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة ، ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات ، ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق . . قوة اللّه . . ومن ثم عرّف إبراهيم - عليه السلام - ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، ولا يمكن أن يزعمها أحد ، وقال وهذا الملك يسأله عمّن يدين له بالربوبية ويراه مصدر الحكم والتشريع غيره . . قال : « ربي الذي يحيي ويميت » فهو من ثم الذي يحكم ويشرع .
وما كان إبراهيم - عليه السلام - وهو رسول موهوب تلك الموهبة اللدنية ليعني من الإحياء والإماتة إلا إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء . فذلك عمل الرب المتفرد الذي لا يشاركه فيه أحد من خلقه . ولكن الذي حاج إبراهيم في ربه رأى في كونه حاكما لقومه وقادرا على إنفاذ أمره فيهم بالحياة والموت مظهرا من مظاهر الربوبية . فقال لإبراهيم : أنا سيد هؤلاء القوم وأنا المتصرّف في شأنهم ، فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له ، وتسلم بحاكميته .
« قال أنا أحيي وأميت » !
عن ذلك لم يرد إبراهيم عليه السلام أن يسترسل في جدل حول معنى الإحياء