والصفة الثالثة
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
خاصة بالآخرة يوم الدين والحساب والجزاء فهل يكون هذا الكلام الدال على استحقاق الخالق للحمد إلا من الخالق سبحانه ؟ وهل يمكن أن يصدر من مخلوق ؟
و
( الْحَمْدُ لِلَّهِ )
لا ترد في القرآن إلا متبوعة بما يدل على استحقاقه سبحانه للحمد للقدرة والملك :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ )
[ سبأ : 1 ] .
أو للقدرة والخلق :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
أول سورة الأنعام .
أو للنعمة المرتبطة بالقدرة :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ )
أول سورة الكهف ، وقوله
( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ . . . )
أول سورة الإسراء .
فهل يصدر مثل ذلك من مخلوق إلا إذا كان اقتباسا من القرآن أو تمثلا لهدى التنزيل كما في بدايات الخطب بالحمد للّه رب العالمين بنصّها أو باقتباس جزئي في الشعر كقول النابغة الجعدي :
الحمد للّه لا شريك له * من لم يقلها فنفسه ظلما
الخافض الرافع السماء على ال * أرض ولم يبن تحتها دعما
فلا يخفى على كل ذي طبع سليم الفرق بين أسلوب الجعدي وأسلوب القرآن ، فمع بداية الجعدي قصيدته بما بدأت به سورة الفاتحة
( الْحَمْدُ لِلَّهِ )
إلا أنه أتبعه بقوله :
( لا شَرِيكَ لَهُ )
، ولا تجد في القرآن " الحمد للّه لا شريك له " لأن
( الْحَمْدُ لِلَّهِ )
قول عظيم يحتاج إلى ما يتبعه من البرهان والدليل ، وقد جاء في سورة الفاتحة ثلاث آيات تقوم مقام البرهان هي :
( رَبِّ الْعالَمِينَ ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
فإنه سبحانه الخالق المدبر أمر العالمين ، ينشر رحمته في الدنيا لكل الناس ، ورحمته في الآخرة لعباده المؤمنين ، وهو المالك ليوم الحساب ، فذلك هو البرهان على أنه وحده حقيق بمطلق الحمد وعظيم الثناء .