اعترافهم بقوله :
( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ )
أي إذا كان هذا هو اعترافكم فأين غاب عنكم الحق الظاهر حين أنكرتم وكأنكم وقتها قد سحرتم .
وهكذا يتبع كل سؤال بالإقرار المتوقع فيعقب عليه بسؤال آخر هو من باب الترغيب والحث كما ذهب الشوكاني وليس للإنكار كما ذهب أبو السعود « 1 » .
ه : توالى تقديم المسند إليه :
والمقصود بالمسند إليه هنا الضمير المنفصل الذي يعود إلى رب العزة سبحانه ، وهو من التقديم الذي يفيد الاختصاص لحاجة المعنى إليه كقوله تعالى :
( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ )
[ المؤمنون : 78 ، 79 ، 80 ]
وهذه من المعاني التي تجمع بين القدرة والنعمة في أشياء يختص بها اللّه سبحانه وتعالى ، وتقديم المسند إليه فيها يفيد تأكيد إسنادها إليه عز وجل ، وأن أحدا غيره لا يقدر على شئ منها ، كما يفيد اجتماع هذه الضمائر وتواليها مع التقديم عموم القوة وشمول القدرة والنعمة ، كما يقطع باستحقاق الخالق أن يعبد وحده وأن يشكر ولا يكفر ، وتسعى هذه الآيات إلى دفع المنكرين بالبعث إلى العدول عن إنكارهم .
فالآية الأولى امتنان بأهم النعم التي يعتمد عليها الإنسان في النظر والسمع والتدبر مع التعريض بتعطيلها لعدم شكرها
( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ )
وعبر بالقلة للاستدراج ، أو لعلها طريقة عربية في كلامهم عند قصد النفي مطلقا كما نبه الشوكاني .
والآية الثانية امتنان آخر بالبث في الأرض والتفرق فيها وذلك كالبرهان على البعث ، وأن الذي خلق ابتداء قادر على الإعادة ، ولهذا قال :
( وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
.
هامش
( 1 ) راجع فتح القدير 2 / 277 وإرشاد العقل السليم 4 / 40 .