تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
فوازن إن شئت بين التأكيد الواثق في الآية « 1 » والدال على علم المتكلم سبحانه وعظمته عز وجل ، وبين قول الشاعر أولا : فقد تنفجر الصخرة بالماء الزلال ، وقوله ثانيا : فربما . . تفطر من عين الماء جلمد . فعبر بقد مع المضارع تارة وربما تارة أخرى ، وهما معا من الأدوات الدالة على القلة والاحتمال ، فشتان ما بين تعبير الخالق العليم بمخلوقاته فيؤكد ، وتعبير المخلوق الذي لا علم عنده بما يحدث مستقبلا ، فيقف عند حدود علمه قائلا : قد يحدث ، وربما . فمثل هذه الاستعمالات تدلنا على الفرق بين أسلوب يظهر فيه أثر الربوبية وأسلوب يظهر فيه طابع العبودية والبشرية . وكل سياقات القرآن تظهر فيها تلك الروح القوية والتي هي أثر من آثار الربوبية ، ولكن إحساس الناس بها يتفاوت بحسب استعدادات التلقي وأحوال الصفاء والتجلي ، لكن هناك سياقات لا يخطئها حسّ ما ، ويحضرني من شواهد هذا قصة الوليد أو النضر عندما جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يساومه في أمر الرسالة ، فتلا عليه الرسول من أول سورة فصلت :
( حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
حتى بلغ قوله تعالى :
( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ )
الآية 13 فصلت ، فلم يقدر الرجل على أن يستمر في الاستماع ، وقام لفوره لأنه استشعر روحا قوية مستحوذة ، وكأن صاعقة تنزل به . وما ذكره العلماء قديما من صنيع القرآن في القلوب وتأثيره في النفوس ، وما ذكروه من روعة القرآن ومهابته هو أثر من آثار تلك الخصوصية ، وأثر من أثار الربوبية . وما ذكروه حديثا من روح التراكيب القرآنية هو أثر من آثار تلك القوة الخفية المستحوذة على النفوس عند الإصغاء للقرآن والتي تكون أظهر ما تكون
هامش
( 1 ) بواسطة ( إن ) واللام المؤكدة ، وتقديم الخبر في( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ).