في سياقات التهديد بالعذاب للمنكرين ، وذلك كقوله سبحانه في خطاب المنكرين للبعث :
( أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ )
[ سبأ : 9 ] ، فمن يملك أن يقول هذا ويقدر عليه إلا القوى المهيمن المتفرد بالملك والألوهية .
ومن الشواهد التي ترى فيها أثر العلم الإلهي المطلق التي لا يحد بمكان أو زمان قوله تعالى في سياق تصوير بطلان أعمال الكفار وبقائهم في حيرة مدلهمة :
( أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ )
[ النور : 40 ] .
فإن عناصر هذه الصورة لا توجد في بيئات البلاد الحارة ، ولم يشاهد العرب البحور ذات الظلمات الناتجة عن تدافع وتراكم الأمواج بعضها فوق بعض بفعل الأعاصير وإنما يوجد هذا في بلاد الشمال أو في الشرق الأقصى ، فمن يعلم هذا ويخبر به سوى العليم الخبير سبحانه .
وأذكر في هذا السياق أن مالك بن نبي استشهد بهذه الآية في كتابه " الظاهرة القرآنية " على صدق ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بوحي من ربه لا من عند نفسه ؛ لأنه لم يطلع على تلك الظلمات ولم يشاهد تراكب الأمواج ذات الظلمات المضاعفة والتي يعلو بعضها فوق بعض ، وأن ذلك لا يكون إلا في بيئات خاصة بعيدة عن البيئة العربية .